قال شيخ الإسلام ابن تيمية (( فصل جامع في تعارض الحسنات؛ أو السيئات أو هما جميعا؛ إذا اجتمعا ولم يمكن التفريق بينهما؛ بل الممكن إما فعلهما جميعا؛ وإما تركهما جميعا.
وقد كتبت ما يشبه هذا في " قاعدة الإمارة والخلافة" وفى أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فنقول:
قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة؛ وإن كان الواجب مستحبا وزيادة. ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة، والدين هو طاعته وطاعة رسوله، وهو الدين والتقوى؛ والبر والعمل الصالح؛ والشرعة والمناهج، وإن كان بين هذه الأسماء فروق. وكذلك حمد أفعالاً هي الحسنات ووعد عليها، وذمَّ أفعالاً هي السيئات وأوعد عليها، وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة، فقال ( فاتقوا الله ما استطعتم )([1]) ([2])
ثم قال : (( كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم خير من بشر إنما العقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، وينشد:
إِن اللَّبِيبَ إذا بَدَى من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطر
وهذا ثابت في سائر الأمور، فان الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع المرض؛ والفساد أداة تزيدهما معا؛ فإنه يرجح عند وفور القوة تركه إضعافاً للمرض، وعند ضعف القوة فعله، لأن منفعة إبقاء القوة والمرض أولى من إذهابها جميعا؛ فإن ذَهاب القوة مستلزمٌ للهلاك ولهذا استقر في عقول الناس أنّه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة، وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم، لكن عدمه أشد ضررا عليهم ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان، كما قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطانٍ ظالمٍ خيرٌ من ليلةٍ واحد بلا سلطانٍ.
ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن، لكن أقول هنا؛ إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعة كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك، إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته، ولكن يتعمد ذلك على مالا يفعله غيره قصدًا وقدرةً: جازتْ له الولاية، وربما وجبت! وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها، من جهاد العدو، وقسم الفيء، وإقامة الحدود، وأمن السبيل: كان فعلها واجبًا، فإذا كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض مالا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي؛ ولا يمكنه ترك ذلك: صار هذا من باب مالا يتم الواجب أو المستحب إلا به، فيكون واجبًا أو مستحبًا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب، بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخصٌ قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا.
وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد))([3]) .
([1]) التغابن آية: (16).
([2]) مجموع الفتاوى ج20/48-49. وذكر لهذا أمثلة كثيرة ونافعة يراجع.
([3]) مجموع الفتاوى ج20/54، 55.
وقد كتبت ما يشبه هذا في " قاعدة الإمارة والخلافة" وفى أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فنقول:
قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة؛ وإن كان الواجب مستحبا وزيادة. ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة، والدين هو طاعته وطاعة رسوله، وهو الدين والتقوى؛ والبر والعمل الصالح؛ والشرعة والمناهج، وإن كان بين هذه الأسماء فروق. وكذلك حمد أفعالاً هي الحسنات ووعد عليها، وذمَّ أفعالاً هي السيئات وأوعد عليها، وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة، فقال ( فاتقوا الله ما استطعتم )([1]) ([2])
ثم قال : (( كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم خير من بشر إنما العقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، وينشد:
إِن اللَّبِيبَ إذا بَدَى من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطر
وهذا ثابت في سائر الأمور، فان الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع المرض؛ والفساد أداة تزيدهما معا؛ فإنه يرجح عند وفور القوة تركه إضعافاً للمرض، وعند ضعف القوة فعله، لأن منفعة إبقاء القوة والمرض أولى من إذهابها جميعا؛ فإن ذَهاب القوة مستلزمٌ للهلاك ولهذا استقر في عقول الناس أنّه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة، وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم، لكن عدمه أشد ضررا عليهم ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان، كما قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطانٍ ظالمٍ خيرٌ من ليلةٍ واحد بلا سلطانٍ.
ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن، لكن أقول هنا؛ إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعة كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك، إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته، ولكن يتعمد ذلك على مالا يفعله غيره قصدًا وقدرةً: جازتْ له الولاية، وربما وجبت! وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها، من جهاد العدو، وقسم الفيء، وإقامة الحدود، وأمن السبيل: كان فعلها واجبًا، فإذا كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض مالا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي؛ ولا يمكنه ترك ذلك: صار هذا من باب مالا يتم الواجب أو المستحب إلا به، فيكون واجبًا أو مستحبًا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب، بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخصٌ قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا.
وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد))([3]) .
([1]) التغابن آية: (16).
([2]) مجموع الفتاوى ج20/48-49. وذكر لهذا أمثلة كثيرة ونافعة يراجع.
([3]) مجموع الفتاوى ج20/54، 55.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق