المرجع :
ع1:
مقدمة لمنهج أهل السنة والجماعة في الرد على المخالفين
ج1:
مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها، لناصر العقل.
التعريف بأهل السنة والجماعة:
السنة لغة: الطريقة والسيرة.
السنة اصطلاحًا: الهدي الذي كان عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، علمًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويُذم من خالفها، وُتطلق السنة على سنن العبادات والاعتقادات، كما ُتطلق على ما يُقابل البدعة.
الجماعة لغة: من الاجتماع، وهو ضد التفرق، والجماعة هم القوم الذين اجتمعوا على أمر ما.
الجماعة في الاصطلاح: هم سلف الأمة، من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الكتاب والسنة وعلى أئمتهم، والذين ساروا على ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
فأهل السنة والجماعة: هم المستمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين، الذين استقاموا على الاتباع، وجانبوا الابتداع في أي مكان وزمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة.
فأهل السنة والجماعة هم المتصفون باتباع السنة ومجانبة محدثات الأمور والبدع في الدين.
ولا يُقصد بالجماعة هنا مجموع الناس وعامتهم، ولا أغلبهم ولا سوادهم، ما لم يجتمعوا على الحق، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ذكر أن الطائفة المنصورة "أهل السنة والجماعة" فرقة واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، كما جاء في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)).
وقد يُسمي أهل السنة ببعض أسمائهم أو صفاتهم المأثورة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو عن أئمتهم المقتدى بهم، فقد يُطلق عليهم "أهل السنة" دون إضافة "الجماعة". وقد يُطلق عليهم "الجماعة" فقط، أخذًا من وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن هذه الأمة ستفترق على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة هي: الجماعة)).
وعبارة السلف الصالح تُرادف أهل السنة والجماعة في اصطلاح المحققين، كما يُطلق عليها -أيضًا- أهل الأثر أي السنة المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
وتسمية أهل السنة والطائفة المنصورة والفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث هذا أمر مستفيض عن السلف، لأنه مقتضى النصوص ووصف الواقع والحال، وقد ثبت ذلك عن ابن المبارك، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين.
وكذا سماهم كثير من الأئمة، وصدّروا مؤلفاتهم بذلك، مثل: كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، للإمام إسماعيل الصابوني، ت: 449.
وانظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أطلق على أهل السنة "أهل الحديث".
والفرقة الناجية: وهي التي تنجو من النار باتباعها سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذًا من قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة)).
وكذا كان كثير من السلف وأئمة الدين يصفون أهل السنة بالفرقة الناجية والظاهرين على الحق، الطائفة المنصورة: وهم الذين عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)).
ويُطلق عليهم -أحيانًا- الجماعة -كما أسلفت- أو أهل الجماعة.
فالجماعة هم جماعة أهل السنة، الذين اجتمعوا على الحق، من الاجتماع، وهو ضد الرفقة، كما أنها تضمنت معنى الاجتماع -أيضًا- وهو الاتفاق وضده الاختلاف، فأهل السنة موصوفون بالاجتماع على أصول الدين، والإجماع عليها -أيضًا- والاجتماع على أئمة الدين وولاة الأمر.
ويُوصفون -أيضًا- بـ أهل الاتباع، لأن من طريقتهم: "اتباع آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)).
ع1:
مقدمة لمنهج أهل السنة والجماعة في الرد على المخالفين
ج2:
السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة، لسعيد بن وهف القحطاني.
ثانيًا: مفهوم أهل السنة:
السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أم قبيحة.
والسنة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: الهدي الذي كان عليه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه: علمًا واعتقادًا، وقولًا، وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها ويُحمد أهلُها، ويُذمُّ من خَالَفها؛ ولهذا قيل: فلان من أهل السنة: أي من أهل الطريقة الصحيحة المستقيمة المحمودة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "والسنة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه -صلّى الله عليه وسلّم- هو وخلفاؤه الراشدون: من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه؛ بأنه طاعة لله ورسوله سواء فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو فُعِل في زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضى حينئذٍ لفعله، أو وجود المانع منه"، وبهذا المعنى تكون السنة: "اتباع آثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار".
ثالثًا: مفهوم الجماعة:
الجماعة في اللغة: مأخوذة من مادة جمع وهي تدور حول الجمع والإجماع والاجتماع وهو ضد التفرق، قال ابن فارس -رحمه الله-: "الجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا".
والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: هم سلف الأمة: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من الكتاب والسنة.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"، قال نُعيم بن حماد: "يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة، قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ".
ع2:
موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
ج1:
شرح الواسطية، للبراك.
المسألة الثالثة: حكم مرتكب الكبيرة:
أهل السنة والجماعة لا يكفرون بمطلق المعاصي، لا يكفرون أهل القبلة هو كل من أظهر الإسلام، ولم يأتِ ناقضًا من نواقض الإسلام، فهو من أهل القبلة كما في الحديث: ((من صل صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا))، أو ((فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا)).
فهؤلاء هم أهل القبلة، فكل الطوائف التي لا يحكم بكفرها، فهي من أهل القبلة، والمنافقون هم من أهل القبلة في الظاهر، وإلا فهم المنافقون، ليسوا من المؤمنين بل هم مع الكافرين {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} فأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي يقول: يعني: أي معصية فإنه يكفر صاحبها. لا المعاصي أنواع، معاصي توجب الكفر نواقض الإسلام كالاستهزاء بآيات الله وبرسول الله {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِن اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}.
مثل سب الدين وسب الإسلام، سب الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه ذنوب يخرج بها الإنسان عن الإسلام؛ ولهذا يقول الشيخ: إن أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، خلافًا للخوارج؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعروف أنهم يكفرون يعني: مرتكب الكبيرة.
فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب خرج عن الإسلام، وصار من الكافرين حلال الدم والمال، يصير مرتدًا، كالسارق والزاني والشارب، وما إلى ذلك عندهم أنهم كفار، أما أهل السنة، فإنهم لا يكفرون بهذه الذنوب، بل أخوة الإيمان باقية مع المعصية، أخوة الإيمان القاتل أخو المقتول، أليس الله قال في آية القصاص: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} يعني القاتل الذي عفي له {مِنْ أَخِيهِ} يعني: من دم أخيه من المقتول، فالقاتل والمقتول أخوان في الإسلام، وإن كان القاتل عاصيًا ظالمًا، وهذا مظلوم.
لكن هذا لا تزول عنهم إخوة الإيمان، ومثل هذا آية الحجرات {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلى أن قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} بل إن أهل السنة لا يسلبون العاصي أو الفاسق الملي من المسلمين الفاسق من المسلمين، الملي منسوب لملة الإسلام، الفاسق الملي نسبة للملة الإسلامية، الملة القيمة لا يسلبونه الإيمان كما تفعل الخوارج، وكما تفعل المعتزلة.
الخوارج لا يقتصرون على سلبه الإيمان، بل يسلبونه الإيمان ويكفرونه، أما المعتزلة فإنهم يسلبون الإيمان، وأهل السنة لا يكفرونه، بل ولا يسلبونه الإيمان ولا يخلدونه في النار يوم القيامة، بل هو يوم القيامة، الفاسق الملي يوم القيامة تحت مشيئة الله؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم يخرجه من النار برحمته سبحانه وتعالى، وبشفاعة الشافعين من أهل طاعته، وكل ذلك من فضله وكرمه وإحسانه.
فأهل السنة أيضًا لا يسلبون الفاسق الملي الإيمان كما تفعل المعتزلة، ولا يخلدونه في النار، كما تقول الخوارج والمعتزلة، فالفاسق يقول الشيخ: إن الفاسق قد يدخل في الإيمان المطلق في بعض الآيات، وقد لا يدخل في بعض الآيات، ففي قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} هذه يدخل فيها الفاسق فليس من شرط الرقبة التي أمر الله بتحريرها ليس من شرطها يعني: كمال الإيمان.
بل يجزئ بتحرير رقبة إنسان رجل ذكر أو أنثى معه أصل الدين، أصل الإيمان؛ ولهذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال للجارية التي أراد سيدها أن يعتقها قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ((أين الله؟ قالت: في السماء)) فإذن هي مؤمنة بالله، وأنه في العلو خلافا للمعطلة الحلولية، قال: ((من أنا؟ قالت: أنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: أعتقها فإنها مؤمنة)).
وقد لا يدخل الفاسق الملي في الإيمان المطلق في بعض النصوص، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فالفاسق الملي، الفاسق لا يدخل في مثل هذه الآية.
لا يدخل فيمَن هذه صفاتهم {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فالفاسق الملي ليس مؤمنًا حقّا هو مؤمن في الجملة، كما لا يدخل في اسم الإيمان في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وهو مؤمن الإيمان الكامل الذي يمنع من مقارفة هذه الفواحش.
فمن يقدم على الزنا، أو السرقة، أو الانتهاب لا يقدم على ذلك، وهو مؤمن إيمان المؤمنين الكُمَّل الذين يمنعهم إيمانهم عن اقتراف المعاصي، وإن كان معه أصل الإيمان، الزاني وهو يزني عنده أصل الإيمان لا يزول عنه أصل الإيمان، لو زال عنه أصل الإيمان صار مرتدًّا، ولو مات قبل أن يتوب كان كافرًا.
وهذا قول الخوارج لا هم معهم أصل، لكن يزول عنه الإيمان الكامل الذي يمنع من الإقدام على الفاحشة ومتى يعود؟ متى يعود له إيمانه؟ إذا تاب، إذا تاب عاد إليه ما كان معه من إيمان عاد بالتوبة، نعم يعود إليه إيمانه، أما ما دام أنه مُصِرّ لا يعود إليه إيمانه مُصِرّ على مقارفة الزنا، أو السرقة أو الشرب، أو غيرها. فإذا تاب رجع إليه إيمانه الذي كان عليه.
يقول الشيخ في ختام هذا الفصل في بيان حكم الفاسق وهو مرتكب الكبيرة العاصي من المسلمين يقول: إذن ماذا يعبر أهل السنة عن الفاسق؟ يقولون: إنه مؤمن بإيمانه يعني: هو مؤمن بما معه من إيمان، فاسق بكبيرته هو فاسق باعتبار الكبيرة ومؤمن بما معه عنده يعني: جانب طاعة وجانب معصية أو هو مؤمن ناقص الإيمان.
يقول الشيخ: فلا يعطى الاسم المطلق فيقال: هو مؤمن، هذا مؤمن، ولا يسلب مطلق الاسم، يقال: إنه ليس بمؤمن، هذا فيه سلب لمطلق الإسلام، لمطلق اسم الإيمان ليس معه إيمان، فلا يعطى الاسم المطلق، بحيث إنه يوصف بالإيمان الكامل، ويقال: إن هذا مؤمن، ولهذا لما أعطى الرسول رجالًا ولم يعطِ واحدًا قال له أحد الصحابة: "إنك لم تعط فلانًا وإني لأراه مؤمنًا قال: أو مسلمًا" ردد ذلك ثلاث مرات.
ففرَّق بين الإيمان والإسلام، الإسلام يسقط على سائر المسلمين، كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام فهو مسلم، فاسم الإسلام يعني أعم وأوسع دائرة.
فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن مسلمًا مؤمنًا الإيمان الكامل، إن كان معه أصل الإيمان، لا إسلام إلا بإيمان لا يكون الإنسان مسلمًا على الحقيقة، إلا ومعه أصل الإيمان إيمان القلب، فهذا تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسائل الثلاث: في مسمى الإيمان، وما يتناوله هذا الاسم، وفي زيادة الإيمان ونقصانه، وفي حكم مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، يعني: أي تعبير من النوعين مرتكب الكبيرة.
وقد أشار إلى مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، ومذهب الخوارج، ومذهب المعتزلة، فأهل السنة والجماعة يخالفون هذه الطوائف فيما ابتدعوه من الأسماء والأحكام، فمرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا مثلًا أنه مؤمن ناقص الإيمان ليس بكافر، ولم يخرج عن الإيمان مطلقًا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله كما تقدم.
وهذا هو موجب عدل الرب -سبحانه وتعالى- فلا يُسَوِّي بين مَن آمن به وبرسله مع ارتكاب بعض الذنوب، وبين من كفر به وبرسله، فالله -تعالى- لا يسوي بين هؤلاء وهؤلاء، كما يسوي بين العاصي الفاسق المجترئ على حرمات الله وبين المتقين: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.
ع2:
موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
ج2:
اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث، لمحمد بن عبد الرحمن الخميس.
قولهم في مرتكب الكبيرة:
ولا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، ومعهم بما هم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر.
اللغة: "ولا يكفرون": أي لا يحكمون بالكفر. "الكبائر": هي الذنوب التي ورد في حقها لعن أو وعيد شديد.
الشرح: دل على إثبات أن الكبيرة لا تُخرج صاحبها من الإيمان بالقرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}.
قال الأشعري: "وأجمعوا على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعا إليه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أن الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان" رسالة الثغر، ص(94).
وهذا هو ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في "اعتقاد أئمة أهل الحديث" حيث قال: "ويقولون إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنبًا أو ذنوبًا كثيرة صغائر أو كبائر، مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله؛ فإنه لا يكفر به ويرجون له المغفرة، قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}".
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني حيث قال في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث": "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله -عز وجل- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار".
الخلاصة:
لا يحكم أهل السنة على مرتكب الكبيرة بالكفر، بل هو مسلم فاسق، ولا يكفرون أحدًا بذنب ما لم يستحله، ويقولون: إن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة يوم القيامة إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه.
ع2:
موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
ج3:
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
قال بعدها: "وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم- فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ".
هذه الجملة يقرر فيها الطحاوي -رحمه الله- عقيدة أهل الأثر وأهل السنة في أهل الكبائر، مُخَالِفين في اعتقادهم ذلك لطوائف الضلال من الخوارج والمعتزلة والوعيدية بعامة.
فأهل السنة في أهل الكبائر وسط ما بين فرقتين غالية كالخوارج والمعتزلة وجافية كالمرجئة.
وسَطٌ ما بين من يقول "يخرج من الإيمان بكل كبيرة" وما بين من يقول "لا يضر مع الإيمان كبيرة".
فيعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ أهل الكبائر من هذه الأمة مُتَوَعَّدُونَ بالنار؛ لكن إذا دخلوها وكانوا مُوَحِّدِينَ فإنهم لا يخلدون فيها، وقد يعذِّبهم الله -عز وجل- وقد يغفر لهم.
وهذه مسألة واضحة من جهة الصّلة بمباحث الإيمان -كما سيأتي-، وسبق أن تكلمنا عن القول أو صلة البحث في الكبائر وأهل الكبائر مع الإيمان والمسألة المُسَمَّاةْ بمسائل الأسماء والأحكام.
ودليل الطحاوي على هذه الجملة من النصوص كثير لا يُحْصَى -يعني كتقعيد- أنَّ كل آية فيها ذِكْرُ وَعْدٍ لأهل الإيمان فإنه يدخل فيها أهل الكبائر؛ لأنهم يدخلون في أنهم مؤمنون.
وكل وعيد جاء لأهل الكفر بالخلود في النار فإنه يخرج منه أهل الكبائر من هذه الأمة إذا ماتوا موحّدين؛ لأنهم ليسوا من أهل الإشراك والكفر.
فنصوص الوعد تشمل أهل الكبائر، ونصوص الوعيد للكفار لا يدخُلُهَا أهل الكبائر، وإنما لأهل الكبائر من هذه الأمة وعيدٌ خاص في أنهم قد يُعذَّبون وقد يُغفر لهم، وأنهم يَؤُول بهم الأمر بتوحيدهم إلى الجنة.
ومن ذلك قول الله -عز وجل- في وعد أهل الإيمان: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، وهذا في حق الصحابة رضوان الله عليهم، وكان منهم بالنَّصْ من عَمِلَ بعض الكبائر، وكذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا}، وكذلك قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، ونحو ذلك من آيات الوعد التي فيها وَعْدٌ لأهل الإيمان بدخول الجنة تشمل أهل الكبائر لأنهم مؤمنون.
ومِنَ السّنة ما صح عنه -صلّى الله عليه وسلّم- من دخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق إذا مات على التوحيد.
والمسألة مشهورة؛ يعني الأدلة فيها أنواع ((يَخْرُجُ من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، ((أخْرِجُوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، ((من قال لا إله إلا الله مُخْلِصًَا من قلبه أو نفسه دخل الجنة)) كما رواه البخاري عن أبي هريرة؛ يعني أنواع النصوص في وعد المؤمنين بعامة، وكذلك في التنصيص على أنه يدخل الجنة وإن حصلت منه الكبيرة.
نذكر هنا مسائل:
المسألة الأولى:
"أهل الكبائر" يُسَمَّى من ارتكب الكبيرة أنه من أهل الكبائر، أو يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر إذا اجتمع فيه وصفان:
- الأول: العلم.
- والثاني: عدم التوبة.
فإذا عَلِمْ أنَّ هذا الفعل معصية واقتَحَمَهُ وكان مَنْصُوصًَا عليه أنَّهُ من الكبائر فيكون من أهل الكبائر.
والثاني: أن لا يكونَ أَحْدَثَ توبة فإذا أحدث توبة فلا يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر.
والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة اختلف فيها العلماء اختلافًا كبيرًا، على أقوال شتى -ذكر لك عددا من الأقوال الشارح ابن أبي العز-:
- فمن أهل العلم من قال: هي سبع مُقْتَصِرًا على حديث ((اجتنبوا السبع الموبقات)).
- ومنهم من قال: هي سبعون -يعني من جهة العدد-.
- ومنهم من قال: كل معصية كبيرة.
وهذه الأقوال ليست جيدة؛ بل الجميع غلط، فلا يُحَدُّ العدد بِحَدْ لعدم النص عليه، وليست كل معصية كبيرة للفَرْقِ في القرآن -كما سيأتي-، وكذلك ليست هي سبعين؛ يعني لم يثبت في العدد ولا في أنَّ كل معصية كبيرة شيء يمكن أن يُستَدَلَ به على ذلك.
ولهذا صار أجود الأقوال في الكبيرة قولان:
1- القول الأول: أنّ الكبيرة ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو عيدٌ بنار أو غضب.
2- والقول الثاني: أنّ الكبيرة هي المعصية التي يُؤَثِّرُ فِعْلُهَا في أحد مقاصد الشّرعْ أو كُلِّيَاتِهِ الخمس، مقاصد الشّرع العظيمة أو في أحد كلياته الخمس.
والقول الأول هو المعروف عن الإمام أحمد وعددٍ من أهل العلم من أهل السنة.
والقول الثاني اختاره جمع من العلماء كالفقيه العز بن عبد السلام في قواعده، وقوّاهُ جمعٌ ممن تبعه في ذلك، وذكره النووي أيضًا في شرحه على مسلم من الأقوال القوية في المسألة.
هذان القولان قريبان.
والقول الأول عُرِّفَتْ فيه الكبائر بـ "ما فيه حد في الدنيا أو وعيد".
"حد في الدنيا" يعني ما رُتِّبَ عليه حَدْ مَحْدُودْ، مثل السرقة فيها حد كبيرة، الزنا فيه حد كبيرة، شرب الخمر فيه حد كبيرة، السحر فيه حد كبيرة، الشرك بالله -عز وجل- هو رأس الكبائر، وكُلُّ ما رُتِّبَ فيه حد، فهذا ضابط لمعرفة أنه كبيرة.
"أو وعيد" ما تُوُعِّدَ عليه بالنار، فِعْلٌ تَوَعَدَ الله -عز وجل- عليه بالنار، جاء في الكتاب أو السنة التَوَعُّدْ عليه بالنار، قتل النفس هذا فيه حد وأيضًا تَوَعُّدْ بالنار، والخيانة، وأكل المال بالباطل أكل مال اليتامى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، وأشباه ذلك، فما كان فيه حد أو كان توعد بنار فهذا ظاهر في أنه كبيرة.
ابن تيمية أضاف "ما نُفِيَ فيه الإيمان -لا يؤمن-، أو جاء فيه -ليس منا-":
ما نُفِيَ فيه الإيمان "لا يؤمن": يعني أضاف على التعريف الأول ما نُفِيَ فيه الإيمان ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) يقول: عَدَمُ أَمْنِ الجار من البوائق والاعتداء عليه هذا صار من الكبائر؛ لأنه نَفَى فيه الإيمان، ونَفْيُ الإيمان لا يُطْلَقُ عند ابن تيمية إلا على نَفْيِ الكمال الواجب، ولا يُنْقِصْ الكمال الواجب عنده إلا ما كان كبيرة.
أو جاء فيه "ليس منا": ليس منا من فَعَلَ كذا، ليس منا من غش، ((من غشنا فليس منا))، ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) هذا يدُلْ على أنَّ الفعل كبيرة عند ابن تيمية؛ لأنَّ النفي هذا "ليس منا" يقول يتوجَهُ إلى أنَّهُ ليس من أهل الإيمان وهذا النفي يرجع إلى الأول في أنه فَعَلَ كبيرة.
وذكرت لكم مرة أو أكثر أنَّ ابن عبد القوي في منظومته في الآداب الطويلة ذكر التعريف بقوله:
يعني جَمَعَ قول الإمام أحمد واستدراك ابن تيمية عليه.
والتحقيق أن يُقال هذه الأقوال أعني هذين القولين قريبة، وهي صواب، وما كان فيه قَدْحٌ في مَقْصَدْ من مقاصد الشارع أو ضروري من الضروريات الخمس وصار إِحْدَاثُهُ أو فِعْلُهُ مَضَرَّتُهُ وإِفْسَادُهُ يرجع إلى هذه فهو في الحقيقة يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه حد أو يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه لعن أو طرد أو وعيد.
يدخل في التعريف الأول -يعني على كلام ابن تيمية- اللعن، كل ما فيه لعن أيضًا يدخل في حد الكبيرة -سبق أن ذكرنا لكم شيئًا من ذلك-.
المسألة الثانية:
هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟
يعني من أَصَرَّ على كبيرة قلنا: هو من أهل الكبائر من أمة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- أم لا؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول:
أنَّ الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة، كما جاء عن بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- كابن عباس وغيره.
- القول الثاني:
أنَّ الصغائر تختلف، وأنَّ الإصرار على الصغائر لِمَنْ تَرَكَ الكبائر لا يبقى معه صغيرة؛ لأنَّ الله -عز وجل- جعل الصلاة إلى الصلاة مُكَفِّرَات لما بينهن إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وجعل رمضان إلى رمضان مُكَفِّرًا لما بينهما إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وهكذا العمرة إلى العمرة، وهكذا الحج ليس له جزاء إلا الجنة، الحج المبرور ((ومن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، ونحو ذلك من الأذكار التي يمحو الله بها السّيئات، كذلك اتْبَاع السّيئة الحسنة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الموحد الذي لم يفعل الكبائر فإنَّ هذه العبادات العظيمة بفضل الله -عز وجل- تمحو عنه الصغائر التي وقعت منه، فلا يُتَصَوَّرْ أنَّ الصغائر تجتمع في حقه فتتحول إلى كبيرة، وهذا النّظر ظاهر من حيث الاستدلال.
ومن قال: إنَّ المُدَاوَمَة على الصغائر تحولها إلى كبيرة، يحتاج إلى دليل واضح من الكتاب أو السنة، والأدلة كما ذكرت تدلُّ على أنَّ الصغيرة من الموحد تُكَفَّرْ، فلا تجتمع عليه؛ ولكن هذا بشرط اجتناب الكبائر كما قال -عز وجل-: {إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا}.
المسألة الثالثة:
في قوله: "مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم" هذه الجملة أو شبه الجملة لا مفهوم لها، فليس هذا الحكم خاصًا بأمة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- بل هو عام لهذه الأمة ولغيرها؛ لأنه:
- لم يَدُلَّ دليل على تخصيص هذه الأمة بهذا الفضل.
- ولأنَّ هذه ترجع إلى قاعدة الوعد والوعيد، وهما مما تشترك فيه الأمم لأنَّ أصلها واحد، قال: "وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ لَا يَخْلُدُونَ -أو يُخَلَّدُونَ-" بشرط "إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ".
المسألة الرابعة:
دخول أَهْلُ الكَبَائِرِ في النَّارِ، هذا وعيد، وهذا الوعيد يجوز إخلافُهُ من الرب -جل جلاله-؛ وذلك أنَّ مرتكب الكبيرة إذا تابَ في الدنيا تابَ الله عليه، وإذا طُهِّرَ بِحَدٍ أو نحوه كتعزير فإنه تكون كَفَّارَةْ له.
فإذًا يكون مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد إلا في حالات:
الحال الأولى:
أن يكون تائبًا كما ذكرنا لك؛ لأنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، قال الله -عز وجل- في آخر سورة الزمر {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} أجمَعَ أهل التأويل والتفسير-: أنها نزلت في التّائبين، فمن تَابْ تابَ الله -عز وجل- عليه، فلا يلحق التائب وعيد لأنه قد مُحِيَتْ عنه زلته وخطيئته بالتّوبة.
2- الحال الثانية:
أن يُطَهَّرَ من تلك الكبيرة إما بِحَد كمن شرب الخمر مثلًا فأُقيمَ عليه الحد فهو طهَّارَةْ وكفَّارة له، وكذلك من قَتَلَ مسلمًا فقُتِلَ، أو من قَتَلَ مسلمًا خطًأ فَدَفَعَ الدّية، فإنَّ هذا كفارةٌ له، أو سرق فقُطِعَتْ يده فهو كفارة له، أو قَذَفْ فأقيم عليه حد القذف فهو كفارة له، أو زنى إلى آخره، أو كان تعزيرًا أيضًا فإنه طهارة.
يعني أنَّ ما يُقَامُ على المسلم من حد أو تعزير من عقوبة في الدنيا فإنها من جنس العقوبة في الآخرة تُطَهِّرُهُ من هذا الذنب.
3- الحال الثالثة:
بعض الذنوب الكبائر تكون لها حسنات ماحية، مثلًا الصدقة في حق القاتل قال -عز وجل-: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}، ومثل الجهاد العظيم فإنه يُنْجِي من العذاب الأليم، قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ٍتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}، والعذاب الأليم هو لمن فعل الكبيرة؛ لأنه وعيد شديد.
4- الحال الرابعة:
أن يكون الله -عز وجل- يغفر له ذلك لأسباب متعددة، ذكرنا لكم شيئًا منها فيما مضى في العشرة أسباب المشهورة وقد يدخُلُ بعضها فيما ذكرنا لكم آنفا.
5- الحال الخامسة:
أن يغفر الله -عز وجل- له بعد أن صار تحت المشيئة.
يعني يوم القيامة، لا يكون عنده حسنات، ولا يكون أتى بشيء؛ ولكن يغفر له الله -عز وجل- مِنَّةً منه وتَكَرُّمًا.
وهؤلاء هم الذين يقال عنهم تحت المشيئة؛ يعني إذا لم يتوبوا ولم يُقَم عليهم الحد أو طُهِّرُوا ولم يأتوا بشيءٍ من أسباب تكفير الذنب، فإنهم تحت المشيئة إن شاء الله -عز وجل- غفر لهم وإن شاء عذّبهم في النار ثم يخرجون لا يخلدون.
وهنا شَرَطَ المؤلف شرط الطحاوي -رحمه الله- لهؤلاء الذين لا يَخلُدون في النار إذا دخلوها -يعني لمن لم يغفر الله -عز وجل- له؛ بل شاء أن يعذبه- شَرَطَ له شرطين نذكرهما في المسألة الخامسة.
المسألة الخامسة:
من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:
- الشرط الأول: أن يكون مات على التوحيد، وهذا كما هو شرطٌ عام في دخول الجنة، كذلك هو شرطٌ عام في الخروج من النار، كما ثبت في الصحيح أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان))، فالتوحيد أساس لعدم الخلود في النار، فكل موَحِدٍ لابد أن يخرج من النار.
- الشرط الثاني: أنه لا يَخْلُدُ في النار إذا لم يأتِ في ارتكابه لهذه الكبيرة بما يجعله مُسْتَحِلًا لها، فقد يكون من جهةٍ مُوَحِّدًا في الأصل، في نطقه بالشهادتين، ويكون من جهة أخرى في هذه الكبيرة بعينها مُسْتَحِلًا لها، وهذا بقيد:
1 - أن تكون الكبيرة مما أُجْمِعَ على تحريمه.
2 - وكان المُسْتَحِلُّ لها غير متأول.
وهذه قد تدخل مع شيء من النظر في الحال الأول لأنَّ حقيقة الموحد هو أنه غير مستحلٍّ لشيءٍ من محارم الله -عز وجل-.
المسألة السادسة:
الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي.
- والخلود الأمدي: هو الذي تَوَعَّدَ الله -عز وجل- به أهل الكبائر.
- والخلود الأبدي؛ المُؤَبد: هو الذي تَوَعَّدَ الله -عز وجل- به أهل الكفر والشرك.
- فمن الأول: قول الله -عز وجل-: {وَمَنْ يَقْتُلْ مؤمنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، فهذا خلود لكنه خلود أمدي؛ لأنَّ حقيقة الخلود في لغة العرب هو المُكث الطويل، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا ثُمَّ ينقضي، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا مؤبدًا.
- ومن الثاني: وهو الخلود الأبدي في النار للكفار قول الله -عز وجل-: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}، وكذلك قوله -عز وجل- في آخر سورة الأحزاب: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سعيرا خالدين فِيهَا أَبَدًا}، هذا خلود أبدي.
ولذلك يُمَيَّزْ الخلود في القرآن بالأبدية في حق الكفار، وأما في حق الموحدين فإنه لا يكون معه كلمة "أبدًا".
وهذا الذي بسببه ضَلَّتْ الخوارج والمعتزلة فإنهم رأوا "خالدين فيها" في حق المُرَابي وفي حق القاتل فظنوا أنَّ الخلود نوع واحد، والخلود نوعان.
ومما يتصل بهذا أيضًا لفظ التحريم في القرآن، ولفظ عدم الدخول للجنة في القرآن، وكذلك عدم الدخول إلى النار.
يعني لفظ التحريم "إنَّ الله حَرَّمَ الجنة"، أو "حَرَّمَ الله عليه النار"، أو "لا يدخل الجنةَ قاطع رحم"، أو "لا يدخلون الجنةَ"، ونحو ذلك.
فهذه مما ينبغي تأمُلُهَا وهو أنَّ التحريم في القرآن والسنة ونفي الدخول نوعان:
- تحريمٌ مؤبد.
- وتحريمٌ إلى أمد.
كما أنّ نفي الدخول:
- نفْيُ دخولٍ مؤبد.
- ونفي دخولٍ إلى أمد.
فتَحَصَّلَ من هذا أنَّ الخلود في النار نوعان: خلود إلى أمد، وخلود أبدي.
وأنَّ تحريم الجنة -كما جاء في بعض النصوص- أو تحريم النار وقد يكون تحريمًا إلى أمد وقد يكون تحريمًا إلى الأبد.
وكذلك نفي الدخول "لا يدخل الجنة" "لا يدخل النار" هذا أيضا نفي دخولٍ مؤبد أو نفي دخولٍ مؤقت.
وهذا التفصيل هو الذي به يفترق أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح مع الخوارج والمعتزلة وأهل الضلال بجميع أصنافهم، فإنهم جعلوا الخلود واحدًا وجعلوا التحريم واحدًا وجعلوا نفي الدخول واحدًا، والنصوص فيها هذا وهذا.
المسألة السابعة:
في قوله: "لَا يَخْلُدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ" هذه الجملة معروفة أصلًا لأنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهي من باب التأكيد ليست إشارة لخلاف ولا إشارة لشرط ونحو ذلك.
المسألة الثامنة:
في قوله: "بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ مُؤْمِنِينَ" هنا توقف الشارح ابن أبي العز عند قوله: "بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ" وتَعَقَّبَ الطحاوي في لفظ "عَارِفِينَ" وأنَّ المعرفة ليست ممدوحة، فإنَّ بعض الكفار كانوا يعرفون، إبليس يعرف، وفرعون يعرف، وأنَّ في هذا القول وهو "بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ" فيه نوع مشاركة للجهمية ولغلاة المرجئة.
وهذا التعقيب من الشارح -رحمه الله- في هذا الموطن فيه نظر؛ لأنَّ لفظ العارف أو المعرفة هذه ربما جاءت في النص ويُرادُ بها التوحيد والعلم بالشهادتين، فكأنَّ الطحاوي يقول: بعد أن لقوا الله عالمين بالشهادتين مؤمنين.
وهذا جاء في حديث معاذ المشهور أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لمَّا بعثه إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم عرفوا ذلك فأعلمهم)) إلى آخره وهذا اللفظ رواه مسلم في الصحيح، فاستَعْمَلَ لفظ المعرفة ويُعنَى به العلم بالشهادتين.
وتوجيه كلام الطحاوي إلى هذا الأصل أولى من تخطئته فيه؛ لأنَّ الأصل في كلام العلماء الإتباع إلا ما دَلَّ الدليل على خلافه.
المسألة التاسعة:
في قوله: "وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ -عز وجل- فِي كِتَابِهِ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ" هذه الجملة الطويلة تقريرٌ لأصل عند أهل السنة والجماعة خالفوا به الخوارج والمعتزلة: أنَّ أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين تحت المشيئة.
وقول الله -عز وجل-: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} يعني في الكبائر لمن مات غير تائبٍ منها.
والمحققون من أهل العلم جمعوا بين هذه الآية وآية سورة الزمر {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، وهنا {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فأطْلَقَ في آية الزمر وهنا قال: {لِمَنْ يَشَاءُ}، وذلك أنَّ هذه الآية في حق غير التائبين، وأما آية الزمر ففي حق من تاب.
فهو سبحانه لمن مات غير تاب إن شاء غفر وعفا وهذا فضل وإن شاء عَذَّبَ وهذا عدل منه سبحانه بعباده.
ثم قوله: "ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ" هذا فيه ذِكْرُ سببين للخروج من النار في حق أهل الكبائر.
وهذان السَّببان ضَلَّتْ فيها الفرق من المعتزلة والخوارج ومن شابههم:
1- السبب الأول: رحمة الله -عز وجل- والرحمة قاعدة عامة في كل فَضْلٍ يحصل للعبد في الدنيا وفي الآخرة.
فالخروج من النار برحمة الله، التخفيف من الحساب برحمة الله، دخول من دَخَلَ الجنة برحمة الله -عز وجل-، كما صح عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنه قال ((لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنة عملُه)) أو((لن يَدْخُلَ أحدكم الجنة بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))، فهذا السبب عام، فكل من خَرَجَ هو برحمة الله، حتى فيمن شَفَعْ وشُفِّعْ فإنَّ العبد يخرج بعد شفاعة الشافعين برحمة الله -عز وجل-، وهذا يعني أنَّ قوله: "بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ" أنها نفهم منها أنه أراد شيئًا مستقلًا وهو أنه محض تفضِّلٍ منه -عز وجل-؛ عَذَّبَ ثم أخرجهم برحمته.
وهذه الرحمة في هذا الموطن لها تفسيران:
- الوجه الأول: أنَّ جَعْلْ الكبيرة مع ما فيها من عِظَمْ المبارزة لله -عز وجل- والتهاون بأمره ومخالفته وارتكاب نهيه، أنَّ هذه الكبيرة لم يحكم الله -عز وجل- على من ارتكبها أنَّهُ يُعَذَّبُ أبدًا.
فكون العذاب إلى أمد رحمة، ثم انقضاء العذاب رحمة، ثم بعثهم إلى الجنة أيضا رحمة.
- الوجه الثاني: أنّ الله -عز وجل- يُخرجُ من النار أيضًا أقوامًا صاروا حِمَمًا، يعني صاروا على لون السواد من شدة العذاب -والعياذ بالله-، ثم يُلْقَونَ في نهر الحياة فينبُتون فيه من جديد كما تنبت الحِبَّةُ في جانب الوادي وحميل السيل، وهذا أيضًا رحمةٌ من الله -عز وجل- في حق من ارتكب الكبيرة.
2- والسبب الثاني: شفاعة الشافعين من أهل طاعته.
وشفاعة الشافعين:
- أعلاها شفاعة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في أهل الكبائر أن يخرجوا من النار.
- ثم شفاعة الملائكة للمؤمنين الذين ارتكبوا الكبائر أن يخرجوا من النار.
- ثم شفاعة الوالدين لأولادهما.
- وهكذا شفاعة المُحِبْ لحبيبه من أهل الإيمان فيمن شاء الله -عز وجل- أن يُشَفِّعَهُ.
وهذان الأمران: الرحمة على ما ذكرت، وشفاعة الشافعين أيضًا على هذا الوصف- وقد تقدم أظن بحث الشفاعة مُطولًا-، وهذان خالف فيهما أهل الفرق وخاصةً الخوارج والمعتزلة ومن شابههم.
المسألة العاشرة:
قال: "وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وَلَايَتِهِ" هذه الجملة يُذَكِّرُ بها الطحاوي -رحمه الله- كُلَّ من أَنْعَمَ الله -عز وجل- عليه بنعمة أن يتذكَّرْ بأنه أُنْعِمَ عليه وتُفُضِّلَ عليه وأُحْسِنَ إليه ومَنَّ الله -عز وجل- عليه بهذه النعمة، فالذي عَصَى الله -عز وجل- وعفا الله عنه أو عَذَّبَهُ ثم أنجاه، هذا كله من آثار تولي الله -عز وجل- لأهل الإيمان.
وهذا يدل على أنَّ وَلاية الله -عز وجل- لعباده المؤمنين تتبعض ليست كاملة، فإنَّ وَلايَة الله -عز وجل- وهي محبته لعبده ومودته له ونُصرتُه له وتوفيقه ونحو ذلك- لا يكون جملةً واحدة؛ إما أن يأتي في المعيّن وإما أن يزول كقول الوعيدية، بل يجتمع في حق المعين في الدنيا والآخرة أنه محبوبٌ من جهة ومُبغَضٌ من جهة، مُتولًا من جهة ومخذول من جهة أخرى.
وهذا هو الذي أراده في أنَّ أهل الكبائر في اعتقاد أهل السنة والجماعة لا يَخْلُون من نوع وَلايَةِ لله -عز وجل- لهم، فالله -عز وجل- "تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ" يعني أهل توحيده، "وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ" في الدنيا والآخرة "كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ"؛ يعني أهل الكفر الذين {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}؛ بل لهم نصيب من وَلايَةِ الله -عز وجل.
فوَلايَةُ الله وهي محبَتُهُ ونُصرَتُهُ في حق المُعيَّن من أهل القبلة تتبعَّض، يعني تكون في فلان أعظم منها في فلان، فالمؤمن المًسَدَّد الذي كَمَّلَ إيمانه بحسب استطاعته له من وَلايَةِ الله -عز وجل- الولاية الكاملة التي تناسب مقامه في الإيمان، والذي يخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا له نصيب من محبة الله -عز وجل- ووَلايَتِهِ ونُصرَتِهِ بحسب ما عنده من الإيمان.
فإذًا في حق المُعَيَّنْ حتى من أهل الكبائر يجتمع فيه وَلَايَة من جهة وخُذلان من جهة أخرى، وهذا هو معتقد السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة.
ع3:
معتقد فرقة الخوارج في مرتكب الكبيرة
ج1:
نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، لمحمد الوهيبي.
وسنتكلم هنا عن أنواع من الأدلة قد يظن بعض المبتدعة أو قليلو العلم أنها تخالف مذهب أهل هذا الباب، والحقيقة أن من أسباب انحراف هؤلاء وغيرهم، في هذا الباب النظر إلى جانب من النصوص وترك الجانب المقابل، فبعضهم نظر إلى الأحاديث السابقة فأخذ جانب الوعد والرجاء، والبعض الآخر نظر إلى ما سيأتي فأخذ جانب الخوف والوعيد ومذهب أهل السنة متوازن يجمع بين أطراف النصوص ولا يضرب بعضهما ببعض، كما سنبين، ولنأت الآن لذكر أهم الأدلة وهي أنواع، وكل نوع يحتوي على أحاديث كثيرة:
1- النوع الأول: نصوص تنفي الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر:
ومن أشهرها قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، فهم بعض أهل البدع من هذا النص وما في معناه أن المنفي أصل الإيمان أما أهل السنة فأجمعوا على أن المنفي هنا كمال الإيمان جمعًا بين هذا النص وغيره من النصوص، قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله، تعليقًا على هذا الحديث: ".. يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر - إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام - من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم، أوضح الدلائل على صحة قولنا، أن مرتكب الكبيرة ناقص الإيمان بفعله ذلك". وقال النووي رحمه الله: "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة..." وقال المروزي رحمه الله، "فالذي صح عندنا في معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وما روي عنه من الأخبار مما يشبه هذا أن معنى ذلك كله أن من فعل تلك الأفعال لا يكون مؤمنًا مستكمل الإيمان، لأنه ترك بعض الإيمان، نفى عنه الإيمان، يريد به الإيمان الكامل.. وإقامة الحدود عليه دليل على أن الإيمان لم يزل كله عنه، ولا اسمه، ولولا ذلك لوجب استتابته، وقتله، وسقطت الحدود".
إذًا لا مناص من تفسير هذا الحديث وما في معناه بأن المنفي كمال الإيمان أو الإيمان الواجب وليس أصل الإيمان، لأنا لو قلنا إن المنفي أصل الإيمان لوقعنا في تناقض ولضربنا بعض النصوص ببعض، إذ يلزم من هذا القول إسقاط الحدود، ورد الأحادي-ث المصرحة بدخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق، وخروجه من النار... الخ ما سبق بيانه.
وكما أن هذا الحديث رد على الوعيدية الذين يكفرون بالذنوب ففيه أيضًا رد على ألمرجئه الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، حيث بين هذا الحديث خطورة المعاصي وأثرها في نقصان الإيمان.
3- النوع الثاني: نصوص فيها براءة النبي صلى الله عليه وسلم - ومنها:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من حمل علينا السلاح فليس منا " وقوله عليه الصلاة والسلام. " من غش فليس مني "، يقول الإمام أبو عبيد تعليقًا على هذا النوع: "لا نرى شيئًا منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا من ملته، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا ولا من المحافظين على شرائعنا". ويقال فيه ما ذكرنا في النوع الأول من نقص اتباعه وطاعته بفعله ذلك.
3- النوع الثالث: نصوص فيها إطلاق الكفر والشرك على بعض المعاصي، ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).
وقوله: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)).
وقوله: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل".
وقوله: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)).
وهذه الأحاديث استدل بها الخوارج على كفر مرتكب المعاصي وخروجه من الملة، أما أهل السنة فجمعوا بين النصوص وفسروا هذه الأحاديث وأمثالها بعدة تفسيرات، أشهرها أن مرتكب هذه المعاصي قد تشبه بالكافرين والمشركين بأخلاقهم وسيرهم وعمل عملهم، وقد تحمل على المستحل، وقد يقال عن بعضها كفر نعمة.. الخ.
قال الخطابي رحمه الله: (وقوله: ((وقتاله كفر)) فإنما هو على أن يستبيح دمه، ولا يرى أن الإسلام قد عصمه منه، وحرمه عليه.. وقد يتأول هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفار من غير تحقيق للحكم فيه... وهذا لا يوجب أن يكون من فعل ذلك كافرًا به خارجًا عن الملة، وإنما فيه مذمة هذا الفعل وتشبيهه بالكفر، على وجه التغليط لفاعله، ليجتنبه فلا يستحله، ومثله في الحديث كثير"
يضاف في الرد أن أفراد هذه المسائل مثل - سباب المسلم - الحلف بغير الله - النياحة - الطيرة. وقد وردت نصوص أخرى تدل أنها وقعت من البعض ولم يكفر صاحبها، بل حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- منها. مثل قوله: ((لا تحلفوا بآبائكم)) وقوله: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) حيث لم يرتب عليها كفرًا.
واستند أهل السنة في تأويلهم هذا إلى النصوص السابقة في حكم مرتكب الكبيرة من مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وأحاديث الشفاعة وغيرها وبما ثبت عن ابن عباس وغيره من الأئمة في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}: أنه قال: "ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه" فقالوا: كفر دون كفر وشرك دون شرك..الخ".
وأول بعض العلماء الكفر الوارد في الأحاديث بكفر النعمة، وإن كان الأدق والله أعلم أن تؤول بعض النصوص وليس كلها فيها إطلاق الكفر على كفر النعمة مثل ما جاء في حديث كفران العشير ونحوه.
قال النووي رحمه الله: "وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- فيمن ادعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فقيل فيه تأويلان أحدهما: أنه في حق المستحل، والثاني: أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "يكفرن" ثم فسره بكفران الإحسان وكفران العشير".
وقال أبو بكر بن العربي: "فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية – ((لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله)) - كان ذلك دليلًا على تهاونًا بحق الله، فذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج من الملة".
والنوع الرابع: نصوص فيها تحريم النار على من تكلم بالشهادتين، وأخرى فيها تحريم الجنة على مرتكب الكبائر:
مثل قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)).
وقوله: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)).
وقوله: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار)).
فالأدلة الثلاثة الأولى ظاهرها - إذا لم يضم إليها ما يقابلها - يكاد يكون صريحًا في مذهب الخوارج، والدليل الرابع يكاد يكون صريحًا في مذهب المرجئة، ولكن كما كررنا من قبل، من أعظم أسباب ضلال هؤلاء أخذهم بجانب من الأدلة وتركهم الجانب الآخر، أما أهل السنة فينظرون إلى جميع الأدلة والأحاديث إذا ثبت في مسألة معينة فيضمون بعضها إلى بعض، وكأنها دليل واحد، أو حديث واحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل الاعتقاد والعمل بجميع ما في مضمونها
وهكذا نظروا لهذه الأدلة وما يشبهها فقال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير آية قتل العمد المشار إليها بعد أن استعرض الأقوال في تفسيرها: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} وقال الخطابي: "القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة، وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء مالم يقع بين الأول والآخر منافاة، ولو جمع بين قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وبين قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، وألحق به قوله: {لِمَن يَشَاء} لم يكن متناقضًا، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأيضًا فإن قوله: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} إن جازاه الله ولم يعف عنه، فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف، والآية الأخرى وعيد يرضي فيه العفو والله أعلم".
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة)) وقوله: ((فالجنة عليه حرام)) ففيه جوابان: "أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلًا، والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولًا".
إذا يمكن أن نقول لا يدخل الجنة ابتداء، والجنة عليه حرام ابتداء ونحو ذلك. وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((حرم الله عليه النار)) أي حرم الله عليه الخلود في النار، أما دخولها إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء أدخله وإن شاء عفا عنه".
ع3:
معتقد فرقة الخوارج في مرتكب الكبيرة
ج2:
لمحة عن الفرق الضالة، لصالح الفوزان.
فـ"الخوراجُ" الذين يريدونَ تفريقَ جماعةِ المسلمين، وشّقَّ عصا الطاعة، ومعصية الله ورسولهِ في هذا الأمر، ويرون أن مرتكبَ الكبيرةِ كافرٌ.
ومرتكبُ الكبيرة هو: الزاني -مثلًا- والسارقُ، وشاربُ الخمر؛ يرون أنه كافرٌ، في حين أنَّ أهلَ السنّةِ والجماعةِ يرون أنهُ "مسلمٌ ناقصُ الإيمان" حتى لو فعل الكبيرة مستخفًّا بها لا يكفر ما لم يستحلها، خلافًا لما يقوله بعضُهم: من أنَّ مرتكبَ الكبيرة إذا كان مستخفًا يكفر كفرًا مخرجًا عن الملَّة.
وهذا القولُ هو عينُ قولِ الخوارجِ، كما قال ذلك شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عندما سئل عنه بالطائف عام 1415 هـ.
ويسمونه بالفاسق الملَّي؛ فهو "مؤمنٌ بإيمانهِ فاسقٌ بكبيرته"، لأنه لا يخُرِجُ من الإسلام إلا الشركُ أو نواقضُ الإسلام المعروفة، أما المعاصي التي دون الشرك؛ فإنها لا تُخرجُ من الإيمانِ، وإن كانتْ كبائرَ، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}.
و"الخوارجُ" يقولون: مرتكبُ الكبيرة كافرٌ، ولا يٌغفرُ له، وهو مخلّدٌ في النار. وهذا خلافُ ما جاءَ في كتاب الله -سبحانه وتعالى.
والسببُ: أنهم ليسَ عندهم فقهٌ.
لاحظُوا أن السببَ الذي أوقَعَهُم في هذا أنهم ليس عندَهم فقه، لأنَّهم جماعةٌ اشتدوا في العبادةِ، والصلاةِ، والصيامِ، وتلاوةِ القرآنِ، وعندهم غَيرةٌ شديدةٌ، لكنهم لا يفقهون، وهذه هي الآفة.
فالاجتهادُ في الورعِ والعبادةِ؛ لا بدَّ أن يكونَ مع الفقه في الدين والعلم.
ولهذا وصفهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه، بأن الصحابةَ يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، وعبادتهم إلى عبادتهم، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يمرُقُون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمَّيةِ)) -جزءٌ من حديثٍ طويل، أخرجه أحمد: (3/73)، والبخاري: (7432)، ومسلم: (1064)، والنسائي: (2577) (4112)، وأبو داود: (7464)، والطيالسي: (2234) من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه -.
ومن حديث علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه -:
البخاري: (3611) (5057) (6930)، ومسلم: (1066)، وأبو داود: (4767)، والطيالسي: (168)، والنسائي: (4113)، وأحمد: (1/81) (1/113).
ومن حديث جابر -رضي الله عنه- عند: أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
ومن حديث سهل بن حنيف -رضي الله عنه- عند:
الشيخين، والنسائي.
ومن حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عند: أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
ومن حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- عند: أحمد، والطيالسي، والنسائي، والحاكم.
ومن حديث أبي سعيد وأنس -رضي الله عنهما- عند: أحمد، وأبي داود، والحاكم في "مستدركه".
ومن حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- عند: أحمد، والطبراني.
ومن حديث عامر بن وائلة -رضي الله عنه- عند: الطبراني.
مع عبادتهم، ومع صلاحهم، ومع تهجدهم وقيامهم بالليل، لكن لما كان اجتهادُهم ليس على أصلٍ صحيحٍ، ولا على علمٍ صحيح، صار ضلالًا ووباءً وشرًّا عليهم وعلى الأمةِ.
وما عُرِفَ عن "الخوارجِ" في يومٍ من الأيام أنهم قاتلوا الكفار، أبدًا، إنما يقاتلون المسلمين، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يقتلون أهلَ الإسلامِ ويَدَعُون أهلَ الأوثانِ)). جزءٌ من حديثٍ طويل، أخرجه أحمد: (3/73) (3/68) ومختصرًا: (3/72)، والبخاري: (7432) (4667) مختصرًا، ومسلم: (1064)، والنسائي: (2577) (4112)، وأبو داود: (7464)، والطيالسي: (2234).
فما عرفنا في تاريخ "الخوارجِ"، في يومٍ من الأيام أنَّهم قاتلوا الكفار والمشركينَ، وإنما يقاتلون المسلمين دائمًا: قتلوا عثمان. وقتلوا علي بن أبي طالب. وقتلوا الزبير بن العوام. وقتلوا خيار الصحابة. وما زالوا يقتلون المسلمين.
وذلك بسبب جهلهم في دين الله -عزَّ وجلَّ- مع ورَعِهم، ومع عبادتهم، ومع اجتهادهم، لكن لما لم يكنْ هذا مؤسَّسًا على علمٍ صحيح؛ صارَ وبالًا عليهم، ولهذا يقول العلامةُ ابنُ القيم في وصفهم:
نونية ابن القيم المسمّاة: "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" ص: 97.
فهم استدلوا بنصوصٍ وهم لا يفهمونها، استدلوا بنصوصٍ من القرآن ومن السنّة؛ في الوعيدِ على المعاصي، وهم لا يفقهون معناها، لم يُرجعوها إلى النصوص الأخرى، التي فيها الوعدُ بالمغفرة، والتوبة لمن كانت معصيتُه دون الشرك؛ فأخذوا طرفًا وتركوا طرفًا. هذا لجهلهم.
والغيرةُ على الدين والحماسُ لا يكفيان، لا بد أَنْ يكونَ هذا مؤسَّسًا على علمٍ، وعلى فقهٍ في دين الله -عز وجل- يكونُ ذلك صادرًا عن علمٍ، وموضوعًا في محله.
والغيرةُ على الدين طيبةٌ، والحماسُ للدين طيِّب، لكن لا بد أن يُرشًَّدَ ذلك باتباع الكتابِ والسنة.
ولا أَغْيَرَ على الدين، ولا أنصحَ للمسلمين؛ من الصحابة -رضي الله عنهم- ومع ذلك قاتلوا "الخوارج"؛ لخطرهم وشرِّهم.
قاتَلهم عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- حتى قتَلهم شرَّ قِتْلَةٍ في وقعةِ " النهروان "، وتحقق في ذلك ما أخبر به صلى الله عليه وسلم: من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَشَّرَ من يقتُلُهم بالخير والجنة. فكان علي بن أبي طالب هو الذي قتلَهم، فحصَلَ على البشارةِ من الرسول صلى الله عليه وسلم. [ روى البخاري في صحيحه: (6930)، ومسلم في صحيحه: (1066)، وأحمد في مسنده: (1/113)، وابن أبي عاصم في "السنة": (914)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة": (1487):
عن علي -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يخرجُ في آخرِ الزمانِ قومٌ أحداثُ الأسنانِ، سفهاءُ الأحلامِ، يقولون من خير قول البريةِ، لا يجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقُتلوهُم؛ فإنًّ قَتْلَهم أجرٌ لمن قتَلَهم يوم القيامة)).
قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- بعدما روى حديثًا في الخوارج وعلاماتِهم، رواه أحمد في "المسند": (3/33)، وابنه في "السنة": (1512) -قال: "فحدثني عشرون أو بضعٌ وعشرون من أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ عليًّا وَلِيَ قتْلَهم".
وروى أحمد: (1/59)، ومسلم: (1066)، وعبد الله بن الإمام أحمد في "السنة": (1471) عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرجُ قومٌ فيهم رجلٌ مودنٌ اليدِ، أو مثدون اليدِ، أو مخدج اليدِ، ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وَعَدَ الله الذين يقاتلونهم على لسان نبيه)).
وروى مسلم: (1065)، وأبو داود: (4667)، وعبد الله بن الإمام أحمد في "السنة": (1511) عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تَمرق مارقةٌ في فِرقَةٍ من المسلمين، يقتُلُهما أولى الطائفتين بالحق)).
هذا، وقد جاء الأمرُ بقتلِهم وفضلِه في أحاديثَ كثيرةٍ، ليسَ هذا مجالُ ذِكرِها.
قَتَلَهُم ليدفعَ شرَّهم عن المسلمين.
وواجبٌ على المسلمين في كلِّ عصرٍ إذا تحققوا من وجودِ هذا المذهبِ الخبيثِ؛ أن يعالجوه بالدعوة إلى الله أولًا، وتبصيرِ الناس بذلك؛ فإن لم يمتثلوا قاتَلُوهم دفعًا لشرِّهم.
وعليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه - أرسلَ إليهم ابنَ عمه: عبدَ الله بنَ عباس، حَبْرَ الأمة، وترجمانَ القرآن؛ فناظرَهم، ورَجَعَ منهم ستَّةُ آلاف، وبقي منهم بقيةٌ كثيرةٌ لم يرجعوا، عندَ ذلك قاتَلَهم أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب ومعه الصحابة؛ لدفعِ شرِّهم وأذاهم عن المسلمين.
هذه "فرقةُ الخوراج" ومذهبُهم.
مقدمة لمنهج أهل السنة والجماعة في الرد على المخالفين
ج1:
مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها، لناصر العقل.
التعريف بأهل السنة والجماعة:
السنة لغة: الطريقة والسيرة.
السنة اصطلاحًا: الهدي الذي كان عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، علمًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويُذم من خالفها، وُتطلق السنة على سنن العبادات والاعتقادات، كما ُتطلق على ما يُقابل البدعة.
الجماعة لغة: من الاجتماع، وهو ضد التفرق، والجماعة هم القوم الذين اجتمعوا على أمر ما.
الجماعة في الاصطلاح: هم سلف الأمة، من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الكتاب والسنة وعلى أئمتهم، والذين ساروا على ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
فأهل السنة والجماعة: هم المستمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين، الذين استقاموا على الاتباع، وجانبوا الابتداع في أي مكان وزمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة.
فأهل السنة والجماعة هم المتصفون باتباع السنة ومجانبة محدثات الأمور والبدع في الدين.
ولا يُقصد بالجماعة هنا مجموع الناس وعامتهم، ولا أغلبهم ولا سوادهم، ما لم يجتمعوا على الحق، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ذكر أن الطائفة المنصورة "أهل السنة والجماعة" فرقة واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، كما جاء في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)).
وقد يُسمي أهل السنة ببعض أسمائهم أو صفاتهم المأثورة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو عن أئمتهم المقتدى بهم، فقد يُطلق عليهم "أهل السنة" دون إضافة "الجماعة". وقد يُطلق عليهم "الجماعة" فقط، أخذًا من وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن هذه الأمة ستفترق على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة هي: الجماعة)).
وعبارة السلف الصالح تُرادف أهل السنة والجماعة في اصطلاح المحققين، كما يُطلق عليها -أيضًا- أهل الأثر أي السنة المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
وتسمية أهل السنة والطائفة المنصورة والفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث هذا أمر مستفيض عن السلف، لأنه مقتضى النصوص ووصف الواقع والحال، وقد ثبت ذلك عن ابن المبارك، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين.
وكذا سماهم كثير من الأئمة، وصدّروا مؤلفاتهم بذلك، مثل: كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، للإمام إسماعيل الصابوني، ت: 449.
وانظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أطلق على أهل السنة "أهل الحديث".
والفرقة الناجية: وهي التي تنجو من النار باتباعها سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذًا من قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة)).
وكذا كان كثير من السلف وأئمة الدين يصفون أهل السنة بالفرقة الناجية والظاهرين على الحق، الطائفة المنصورة: وهم الذين عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)).
ويُطلق عليهم -أحيانًا- الجماعة -كما أسلفت- أو أهل الجماعة.
فالجماعة هم جماعة أهل السنة، الذين اجتمعوا على الحق، من الاجتماع، وهو ضد الرفقة، كما أنها تضمنت معنى الاجتماع -أيضًا- وهو الاتفاق وضده الاختلاف، فأهل السنة موصوفون بالاجتماع على أصول الدين، والإجماع عليها -أيضًا- والاجتماع على أئمة الدين وولاة الأمر.
ويُوصفون -أيضًا- بـ أهل الاتباع، لأن من طريقتهم: "اتباع آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)).
ع1:
مقدمة لمنهج أهل السنة والجماعة في الرد على المخالفين
ج2:
السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة، لسعيد بن وهف القحطاني.
ثانيًا: مفهوم أهل السنة:
السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أم قبيحة.
والسنة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: الهدي الذي كان عليه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه: علمًا واعتقادًا، وقولًا، وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها ويُحمد أهلُها، ويُذمُّ من خَالَفها؛ ولهذا قيل: فلان من أهل السنة: أي من أهل الطريقة الصحيحة المستقيمة المحمودة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "والسنة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه -صلّى الله عليه وسلّم- هو وخلفاؤه الراشدون: من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه؛ بأنه طاعة لله ورسوله سواء فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو فُعِل في زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضى حينئذٍ لفعله، أو وجود المانع منه"، وبهذا المعنى تكون السنة: "اتباع آثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار".
ثالثًا: مفهوم الجماعة:
الجماعة في اللغة: مأخوذة من مادة جمع وهي تدور حول الجمع والإجماع والاجتماع وهو ضد التفرق، قال ابن فارس -رحمه الله-: "الجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا".
والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: هم سلف الأمة: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من الكتاب والسنة.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"، قال نُعيم بن حماد: "يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة، قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ".
ع2:
موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
ج1:
شرح الواسطية، للبراك.
المسألة الثالثة: حكم مرتكب الكبيرة:
أهل السنة والجماعة لا يكفرون بمطلق المعاصي، لا يكفرون أهل القبلة هو كل من أظهر الإسلام، ولم يأتِ ناقضًا من نواقض الإسلام، فهو من أهل القبلة كما في الحديث: ((من صل صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا))، أو ((فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا)).
فهؤلاء هم أهل القبلة، فكل الطوائف التي لا يحكم بكفرها، فهي من أهل القبلة، والمنافقون هم من أهل القبلة في الظاهر، وإلا فهم المنافقون، ليسوا من المؤمنين بل هم مع الكافرين {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} فأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي يقول: يعني: أي معصية فإنه يكفر صاحبها. لا المعاصي أنواع، معاصي توجب الكفر نواقض الإسلام كالاستهزاء بآيات الله وبرسول الله {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِن اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}.
مثل سب الدين وسب الإسلام، سب الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه ذنوب يخرج بها الإنسان عن الإسلام؛ ولهذا يقول الشيخ: إن أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، خلافًا للخوارج؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعروف أنهم يكفرون يعني: مرتكب الكبيرة.
فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب خرج عن الإسلام، وصار من الكافرين حلال الدم والمال، يصير مرتدًا، كالسارق والزاني والشارب، وما إلى ذلك عندهم أنهم كفار، أما أهل السنة، فإنهم لا يكفرون بهذه الذنوب، بل أخوة الإيمان باقية مع المعصية، أخوة الإيمان القاتل أخو المقتول، أليس الله قال في آية القصاص: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} يعني القاتل الذي عفي له {مِنْ أَخِيهِ} يعني: من دم أخيه من المقتول، فالقاتل والمقتول أخوان في الإسلام، وإن كان القاتل عاصيًا ظالمًا، وهذا مظلوم.
لكن هذا لا تزول عنهم إخوة الإيمان، ومثل هذا آية الحجرات {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلى أن قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} بل إن أهل السنة لا يسلبون العاصي أو الفاسق الملي من المسلمين الفاسق من المسلمين، الملي منسوب لملة الإسلام، الفاسق الملي نسبة للملة الإسلامية، الملة القيمة لا يسلبونه الإيمان كما تفعل الخوارج، وكما تفعل المعتزلة.
الخوارج لا يقتصرون على سلبه الإيمان، بل يسلبونه الإيمان ويكفرونه، أما المعتزلة فإنهم يسلبون الإيمان، وأهل السنة لا يكفرونه، بل ولا يسلبونه الإيمان ولا يخلدونه في النار يوم القيامة، بل هو يوم القيامة، الفاسق الملي يوم القيامة تحت مشيئة الله؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم يخرجه من النار برحمته سبحانه وتعالى، وبشفاعة الشافعين من أهل طاعته، وكل ذلك من فضله وكرمه وإحسانه.
فأهل السنة أيضًا لا يسلبون الفاسق الملي الإيمان كما تفعل المعتزلة، ولا يخلدونه في النار، كما تقول الخوارج والمعتزلة، فالفاسق يقول الشيخ: إن الفاسق قد يدخل في الإيمان المطلق في بعض الآيات، وقد لا يدخل في بعض الآيات، ففي قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} هذه يدخل فيها الفاسق فليس من شرط الرقبة التي أمر الله بتحريرها ليس من شرطها يعني: كمال الإيمان.
بل يجزئ بتحرير رقبة إنسان رجل ذكر أو أنثى معه أصل الدين، أصل الإيمان؛ ولهذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال للجارية التي أراد سيدها أن يعتقها قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ((أين الله؟ قالت: في السماء)) فإذن هي مؤمنة بالله، وأنه في العلو خلافا للمعطلة الحلولية، قال: ((من أنا؟ قالت: أنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: أعتقها فإنها مؤمنة)).
وقد لا يدخل الفاسق الملي في الإيمان المطلق في بعض النصوص، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فالفاسق الملي، الفاسق لا يدخل في مثل هذه الآية.
لا يدخل فيمَن هذه صفاتهم {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فالفاسق الملي ليس مؤمنًا حقّا هو مؤمن في الجملة، كما لا يدخل في اسم الإيمان في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وهو مؤمن الإيمان الكامل الذي يمنع من مقارفة هذه الفواحش.
فمن يقدم على الزنا، أو السرقة، أو الانتهاب لا يقدم على ذلك، وهو مؤمن إيمان المؤمنين الكُمَّل الذين يمنعهم إيمانهم عن اقتراف المعاصي، وإن كان معه أصل الإيمان، الزاني وهو يزني عنده أصل الإيمان لا يزول عنه أصل الإيمان، لو زال عنه أصل الإيمان صار مرتدًّا، ولو مات قبل أن يتوب كان كافرًا.
وهذا قول الخوارج لا هم معهم أصل، لكن يزول عنه الإيمان الكامل الذي يمنع من الإقدام على الفاحشة ومتى يعود؟ متى يعود له إيمانه؟ إذا تاب، إذا تاب عاد إليه ما كان معه من إيمان عاد بالتوبة، نعم يعود إليه إيمانه، أما ما دام أنه مُصِرّ لا يعود إليه إيمانه مُصِرّ على مقارفة الزنا، أو السرقة أو الشرب، أو غيرها. فإذا تاب رجع إليه إيمانه الذي كان عليه.
يقول الشيخ في ختام هذا الفصل في بيان حكم الفاسق وهو مرتكب الكبيرة العاصي من المسلمين يقول: إذن ماذا يعبر أهل السنة عن الفاسق؟ يقولون: إنه مؤمن بإيمانه يعني: هو مؤمن بما معه من إيمان، فاسق بكبيرته هو فاسق باعتبار الكبيرة ومؤمن بما معه عنده يعني: جانب طاعة وجانب معصية أو هو مؤمن ناقص الإيمان.
يقول الشيخ: فلا يعطى الاسم المطلق فيقال: هو مؤمن، هذا مؤمن، ولا يسلب مطلق الاسم، يقال: إنه ليس بمؤمن، هذا فيه سلب لمطلق الإسلام، لمطلق اسم الإيمان ليس معه إيمان، فلا يعطى الاسم المطلق، بحيث إنه يوصف بالإيمان الكامل، ويقال: إن هذا مؤمن، ولهذا لما أعطى الرسول رجالًا ولم يعطِ واحدًا قال له أحد الصحابة: "إنك لم تعط فلانًا وإني لأراه مؤمنًا قال: أو مسلمًا" ردد ذلك ثلاث مرات.
ففرَّق بين الإيمان والإسلام، الإسلام يسقط على سائر المسلمين، كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام فهو مسلم، فاسم الإسلام يعني أعم وأوسع دائرة.
فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن مسلمًا مؤمنًا الإيمان الكامل، إن كان معه أصل الإيمان، لا إسلام إلا بإيمان لا يكون الإنسان مسلمًا على الحقيقة، إلا ومعه أصل الإيمان إيمان القلب، فهذا تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسائل الثلاث: في مسمى الإيمان، وما يتناوله هذا الاسم، وفي زيادة الإيمان ونقصانه، وفي حكم مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، يعني: أي تعبير من النوعين مرتكب الكبيرة.
وقد أشار إلى مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، ومذهب الخوارج، ومذهب المعتزلة، فأهل السنة والجماعة يخالفون هذه الطوائف فيما ابتدعوه من الأسماء والأحكام، فمرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا مثلًا أنه مؤمن ناقص الإيمان ليس بكافر، ولم يخرج عن الإيمان مطلقًا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله كما تقدم.
وهذا هو موجب عدل الرب -سبحانه وتعالى- فلا يُسَوِّي بين مَن آمن به وبرسله مع ارتكاب بعض الذنوب، وبين من كفر به وبرسله، فالله -تعالى- لا يسوي بين هؤلاء وهؤلاء، كما يسوي بين العاصي الفاسق المجترئ على حرمات الله وبين المتقين: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.
ع2:
موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
ج2:
اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث، لمحمد بن عبد الرحمن الخميس.
قولهم في مرتكب الكبيرة:
ولا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، ومعهم بما هم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر.
اللغة: "ولا يكفرون": أي لا يحكمون بالكفر. "الكبائر": هي الذنوب التي ورد في حقها لعن أو وعيد شديد.
الشرح: دل على إثبات أن الكبيرة لا تُخرج صاحبها من الإيمان بالقرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}.
قال الأشعري: "وأجمعوا على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعا إليه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أن الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان" رسالة الثغر، ص(94).
وهذا هو ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في "اعتقاد أئمة أهل الحديث" حيث قال: "ويقولون إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنبًا أو ذنوبًا كثيرة صغائر أو كبائر، مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله؛ فإنه لا يكفر به ويرجون له المغفرة، قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}".
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني حيث قال في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث": "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله -عز وجل- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار".
الخلاصة:
لا يحكم أهل السنة على مرتكب الكبيرة بالكفر، بل هو مسلم فاسق، ولا يكفرون أحدًا بذنب ما لم يستحله، ويقولون: إن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة يوم القيامة إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه.
ع2:
موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
ج3:
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
قال بعدها: "وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم- فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ".
هذه الجملة يقرر فيها الطحاوي -رحمه الله- عقيدة أهل الأثر وأهل السنة في أهل الكبائر، مُخَالِفين في اعتقادهم ذلك لطوائف الضلال من الخوارج والمعتزلة والوعيدية بعامة.
فأهل السنة في أهل الكبائر وسط ما بين فرقتين غالية كالخوارج والمعتزلة وجافية كالمرجئة.
وسَطٌ ما بين من يقول "يخرج من الإيمان بكل كبيرة" وما بين من يقول "لا يضر مع الإيمان كبيرة".
فيعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ أهل الكبائر من هذه الأمة مُتَوَعَّدُونَ بالنار؛ لكن إذا دخلوها وكانوا مُوَحِّدِينَ فإنهم لا يخلدون فيها، وقد يعذِّبهم الله -عز وجل- وقد يغفر لهم.
وهذه مسألة واضحة من جهة الصّلة بمباحث الإيمان -كما سيأتي-، وسبق أن تكلمنا عن القول أو صلة البحث في الكبائر وأهل الكبائر مع الإيمان والمسألة المُسَمَّاةْ بمسائل الأسماء والأحكام.
ودليل الطحاوي على هذه الجملة من النصوص كثير لا يُحْصَى -يعني كتقعيد- أنَّ كل آية فيها ذِكْرُ وَعْدٍ لأهل الإيمان فإنه يدخل فيها أهل الكبائر؛ لأنهم يدخلون في أنهم مؤمنون.
وكل وعيد جاء لأهل الكفر بالخلود في النار فإنه يخرج منه أهل الكبائر من هذه الأمة إذا ماتوا موحّدين؛ لأنهم ليسوا من أهل الإشراك والكفر.
فنصوص الوعد تشمل أهل الكبائر، ونصوص الوعيد للكفار لا يدخُلُهَا أهل الكبائر، وإنما لأهل الكبائر من هذه الأمة وعيدٌ خاص في أنهم قد يُعذَّبون وقد يُغفر لهم، وأنهم يَؤُول بهم الأمر بتوحيدهم إلى الجنة.
ومن ذلك قول الله -عز وجل- في وعد أهل الإيمان: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، وهذا في حق الصحابة رضوان الله عليهم، وكان منهم بالنَّصْ من عَمِلَ بعض الكبائر، وكذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا}، وكذلك قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، ونحو ذلك من آيات الوعد التي فيها وَعْدٌ لأهل الإيمان بدخول الجنة تشمل أهل الكبائر لأنهم مؤمنون.
ومِنَ السّنة ما صح عنه -صلّى الله عليه وسلّم- من دخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق إذا مات على التوحيد.
والمسألة مشهورة؛ يعني الأدلة فيها أنواع ((يَخْرُجُ من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، ((أخْرِجُوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، ((من قال لا إله إلا الله مُخْلِصًَا من قلبه أو نفسه دخل الجنة)) كما رواه البخاري عن أبي هريرة؛ يعني أنواع النصوص في وعد المؤمنين بعامة، وكذلك في التنصيص على أنه يدخل الجنة وإن حصلت منه الكبيرة.
نذكر هنا مسائل:
المسألة الأولى:
"أهل الكبائر" يُسَمَّى من ارتكب الكبيرة أنه من أهل الكبائر، أو يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر إذا اجتمع فيه وصفان:
- الأول: العلم.
- والثاني: عدم التوبة.
فإذا عَلِمْ أنَّ هذا الفعل معصية واقتَحَمَهُ وكان مَنْصُوصًَا عليه أنَّهُ من الكبائر فيكون من أهل الكبائر.
والثاني: أن لا يكونَ أَحْدَثَ توبة فإذا أحدث توبة فلا يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر.
والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة اختلف فيها العلماء اختلافًا كبيرًا، على أقوال شتى -ذكر لك عددا من الأقوال الشارح ابن أبي العز-:
- فمن أهل العلم من قال: هي سبع مُقْتَصِرًا على حديث ((اجتنبوا السبع الموبقات)).
- ومنهم من قال: هي سبعون -يعني من جهة العدد-.
- ومنهم من قال: كل معصية كبيرة.
وهذه الأقوال ليست جيدة؛ بل الجميع غلط، فلا يُحَدُّ العدد بِحَدْ لعدم النص عليه، وليست كل معصية كبيرة للفَرْقِ في القرآن -كما سيأتي-، وكذلك ليست هي سبعين؛ يعني لم يثبت في العدد ولا في أنَّ كل معصية كبيرة شيء يمكن أن يُستَدَلَ به على ذلك.
ولهذا صار أجود الأقوال في الكبيرة قولان:
1- القول الأول: أنّ الكبيرة ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو عيدٌ بنار أو غضب.
2- والقول الثاني: أنّ الكبيرة هي المعصية التي يُؤَثِّرُ فِعْلُهَا في أحد مقاصد الشّرعْ أو كُلِّيَاتِهِ الخمس، مقاصد الشّرع العظيمة أو في أحد كلياته الخمس.
والقول الأول هو المعروف عن الإمام أحمد وعددٍ من أهل العلم من أهل السنة.
والقول الثاني اختاره جمع من العلماء كالفقيه العز بن عبد السلام في قواعده، وقوّاهُ جمعٌ ممن تبعه في ذلك، وذكره النووي أيضًا في شرحه على مسلم من الأقوال القوية في المسألة.
هذان القولان قريبان.
والقول الأول عُرِّفَتْ فيه الكبائر بـ "ما فيه حد في الدنيا أو وعيد".
"حد في الدنيا" يعني ما رُتِّبَ عليه حَدْ مَحْدُودْ، مثل السرقة فيها حد كبيرة، الزنا فيه حد كبيرة، شرب الخمر فيه حد كبيرة، السحر فيه حد كبيرة، الشرك بالله -عز وجل- هو رأس الكبائر، وكُلُّ ما رُتِّبَ فيه حد، فهذا ضابط لمعرفة أنه كبيرة.
"أو وعيد" ما تُوُعِّدَ عليه بالنار، فِعْلٌ تَوَعَدَ الله -عز وجل- عليه بالنار، جاء في الكتاب أو السنة التَوَعُّدْ عليه بالنار، قتل النفس هذا فيه حد وأيضًا تَوَعُّدْ بالنار، والخيانة، وأكل المال بالباطل أكل مال اليتامى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، وأشباه ذلك، فما كان فيه حد أو كان توعد بنار فهذا ظاهر في أنه كبيرة.
ابن تيمية أضاف "ما نُفِيَ فيه الإيمان -لا يؤمن-، أو جاء فيه -ليس منا-":
ما نُفِيَ فيه الإيمان "لا يؤمن": يعني أضاف على التعريف الأول ما نُفِيَ فيه الإيمان ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) يقول: عَدَمُ أَمْنِ الجار من البوائق والاعتداء عليه هذا صار من الكبائر؛ لأنه نَفَى فيه الإيمان، ونَفْيُ الإيمان لا يُطْلَقُ عند ابن تيمية إلا على نَفْيِ الكمال الواجب، ولا يُنْقِصْ الكمال الواجب عنده إلا ما كان كبيرة.
أو جاء فيه "ليس منا": ليس منا من فَعَلَ كذا، ليس منا من غش، ((من غشنا فليس منا))، ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) هذا يدُلْ على أنَّ الفعل كبيرة عند ابن تيمية؛ لأنَّ النفي هذا "ليس منا" يقول يتوجَهُ إلى أنَّهُ ليس من أهل الإيمان وهذا النفي يرجع إلى الأول في أنه فَعَلَ كبيرة.
وذكرت لكم مرة أو أكثر أنَّ ابن عبد القوي في منظومته في الآداب الطويلة ذكر التعريف بقوله:
يعني جَمَعَ قول الإمام أحمد واستدراك ابن تيمية عليه.
والتحقيق أن يُقال هذه الأقوال أعني هذين القولين قريبة، وهي صواب، وما كان فيه قَدْحٌ في مَقْصَدْ من مقاصد الشارع أو ضروري من الضروريات الخمس وصار إِحْدَاثُهُ أو فِعْلُهُ مَضَرَّتُهُ وإِفْسَادُهُ يرجع إلى هذه فهو في الحقيقة يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه حد أو يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه لعن أو طرد أو وعيد.
يدخل في التعريف الأول -يعني على كلام ابن تيمية- اللعن، كل ما فيه لعن أيضًا يدخل في حد الكبيرة -سبق أن ذكرنا لكم شيئًا من ذلك-.
المسألة الثانية:
هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟
يعني من أَصَرَّ على كبيرة قلنا: هو من أهل الكبائر من أمة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- أم لا؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول:
أنَّ الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة، كما جاء عن بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- كابن عباس وغيره.
- القول الثاني:
أنَّ الصغائر تختلف، وأنَّ الإصرار على الصغائر لِمَنْ تَرَكَ الكبائر لا يبقى معه صغيرة؛ لأنَّ الله -عز وجل- جعل الصلاة إلى الصلاة مُكَفِّرَات لما بينهن إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وجعل رمضان إلى رمضان مُكَفِّرًا لما بينهما إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وهكذا العمرة إلى العمرة، وهكذا الحج ليس له جزاء إلا الجنة، الحج المبرور ((ومن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، ونحو ذلك من الأذكار التي يمحو الله بها السّيئات، كذلك اتْبَاع السّيئة الحسنة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الموحد الذي لم يفعل الكبائر فإنَّ هذه العبادات العظيمة بفضل الله -عز وجل- تمحو عنه الصغائر التي وقعت منه، فلا يُتَصَوَّرْ أنَّ الصغائر تجتمع في حقه فتتحول إلى كبيرة، وهذا النّظر ظاهر من حيث الاستدلال.
ومن قال: إنَّ المُدَاوَمَة على الصغائر تحولها إلى كبيرة، يحتاج إلى دليل واضح من الكتاب أو السنة، والأدلة كما ذكرت تدلُّ على أنَّ الصغيرة من الموحد تُكَفَّرْ، فلا تجتمع عليه؛ ولكن هذا بشرط اجتناب الكبائر كما قال -عز وجل-: {إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا}.
المسألة الثالثة:
في قوله: "مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم" هذه الجملة أو شبه الجملة لا مفهوم لها، فليس هذا الحكم خاصًا بأمة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- بل هو عام لهذه الأمة ولغيرها؛ لأنه:
- لم يَدُلَّ دليل على تخصيص هذه الأمة بهذا الفضل.
- ولأنَّ هذه ترجع إلى قاعدة الوعد والوعيد، وهما مما تشترك فيه الأمم لأنَّ أصلها واحد، قال: "وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ لَا يَخْلُدُونَ -أو يُخَلَّدُونَ-" بشرط "إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ".
المسألة الرابعة:
دخول أَهْلُ الكَبَائِرِ في النَّارِ، هذا وعيد، وهذا الوعيد يجوز إخلافُهُ من الرب -جل جلاله-؛ وذلك أنَّ مرتكب الكبيرة إذا تابَ في الدنيا تابَ الله عليه، وإذا طُهِّرَ بِحَدٍ أو نحوه كتعزير فإنه تكون كَفَّارَةْ له.
فإذًا يكون مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد إلا في حالات:
الحال الأولى:
أن يكون تائبًا كما ذكرنا لك؛ لأنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، قال الله -عز وجل- في آخر سورة الزمر {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} أجمَعَ أهل التأويل والتفسير-: أنها نزلت في التّائبين، فمن تَابْ تابَ الله -عز وجل- عليه، فلا يلحق التائب وعيد لأنه قد مُحِيَتْ عنه زلته وخطيئته بالتّوبة.
2- الحال الثانية:
أن يُطَهَّرَ من تلك الكبيرة إما بِحَد كمن شرب الخمر مثلًا فأُقيمَ عليه الحد فهو طهَّارَةْ وكفَّارة له، وكذلك من قَتَلَ مسلمًا فقُتِلَ، أو من قَتَلَ مسلمًا خطًأ فَدَفَعَ الدّية، فإنَّ هذا كفارةٌ له، أو سرق فقُطِعَتْ يده فهو كفارة له، أو قَذَفْ فأقيم عليه حد القذف فهو كفارة له، أو زنى إلى آخره، أو كان تعزيرًا أيضًا فإنه طهارة.
يعني أنَّ ما يُقَامُ على المسلم من حد أو تعزير من عقوبة في الدنيا فإنها من جنس العقوبة في الآخرة تُطَهِّرُهُ من هذا الذنب.
3- الحال الثالثة:
بعض الذنوب الكبائر تكون لها حسنات ماحية، مثلًا الصدقة في حق القاتل قال -عز وجل-: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}، ومثل الجهاد العظيم فإنه يُنْجِي من العذاب الأليم، قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ٍتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}، والعذاب الأليم هو لمن فعل الكبيرة؛ لأنه وعيد شديد.
4- الحال الرابعة:
أن يكون الله -عز وجل- يغفر له ذلك لأسباب متعددة، ذكرنا لكم شيئًا منها فيما مضى في العشرة أسباب المشهورة وقد يدخُلُ بعضها فيما ذكرنا لكم آنفا.
5- الحال الخامسة:
أن يغفر الله -عز وجل- له بعد أن صار تحت المشيئة.
يعني يوم القيامة، لا يكون عنده حسنات، ولا يكون أتى بشيء؛ ولكن يغفر له الله -عز وجل- مِنَّةً منه وتَكَرُّمًا.
وهؤلاء هم الذين يقال عنهم تحت المشيئة؛ يعني إذا لم يتوبوا ولم يُقَم عليهم الحد أو طُهِّرُوا ولم يأتوا بشيءٍ من أسباب تكفير الذنب، فإنهم تحت المشيئة إن شاء الله -عز وجل- غفر لهم وإن شاء عذّبهم في النار ثم يخرجون لا يخلدون.
وهنا شَرَطَ المؤلف شرط الطحاوي -رحمه الله- لهؤلاء الذين لا يَخلُدون في النار إذا دخلوها -يعني لمن لم يغفر الله -عز وجل- له؛ بل شاء أن يعذبه- شَرَطَ له شرطين نذكرهما في المسألة الخامسة.
المسألة الخامسة:
من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:
- الشرط الأول: أن يكون مات على التوحيد، وهذا كما هو شرطٌ عام في دخول الجنة، كذلك هو شرطٌ عام في الخروج من النار، كما ثبت في الصحيح أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان))، فالتوحيد أساس لعدم الخلود في النار، فكل موَحِدٍ لابد أن يخرج من النار.
- الشرط الثاني: أنه لا يَخْلُدُ في النار إذا لم يأتِ في ارتكابه لهذه الكبيرة بما يجعله مُسْتَحِلًا لها، فقد يكون من جهةٍ مُوَحِّدًا في الأصل، في نطقه بالشهادتين، ويكون من جهة أخرى في هذه الكبيرة بعينها مُسْتَحِلًا لها، وهذا بقيد:
1 - أن تكون الكبيرة مما أُجْمِعَ على تحريمه.
2 - وكان المُسْتَحِلُّ لها غير متأول.
وهذه قد تدخل مع شيء من النظر في الحال الأول لأنَّ حقيقة الموحد هو أنه غير مستحلٍّ لشيءٍ من محارم الله -عز وجل-.
المسألة السادسة:
الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي.
- والخلود الأمدي: هو الذي تَوَعَّدَ الله -عز وجل- به أهل الكبائر.
- والخلود الأبدي؛ المُؤَبد: هو الذي تَوَعَّدَ الله -عز وجل- به أهل الكفر والشرك.
- فمن الأول: قول الله -عز وجل-: {وَمَنْ يَقْتُلْ مؤمنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، فهذا خلود لكنه خلود أمدي؛ لأنَّ حقيقة الخلود في لغة العرب هو المُكث الطويل، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا ثُمَّ ينقضي، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا مؤبدًا.
- ومن الثاني: وهو الخلود الأبدي في النار للكفار قول الله -عز وجل-: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}، وكذلك قوله -عز وجل- في آخر سورة الأحزاب: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سعيرا خالدين فِيهَا أَبَدًا}، هذا خلود أبدي.
ولذلك يُمَيَّزْ الخلود في القرآن بالأبدية في حق الكفار، وأما في حق الموحدين فإنه لا يكون معه كلمة "أبدًا".
وهذا الذي بسببه ضَلَّتْ الخوارج والمعتزلة فإنهم رأوا "خالدين فيها" في حق المُرَابي وفي حق القاتل فظنوا أنَّ الخلود نوع واحد، والخلود نوعان.
ومما يتصل بهذا أيضًا لفظ التحريم في القرآن، ولفظ عدم الدخول للجنة في القرآن، وكذلك عدم الدخول إلى النار.
يعني لفظ التحريم "إنَّ الله حَرَّمَ الجنة"، أو "حَرَّمَ الله عليه النار"، أو "لا يدخل الجنةَ قاطع رحم"، أو "لا يدخلون الجنةَ"، ونحو ذلك.
فهذه مما ينبغي تأمُلُهَا وهو أنَّ التحريم في القرآن والسنة ونفي الدخول نوعان:
- تحريمٌ مؤبد.
- وتحريمٌ إلى أمد.
كما أنّ نفي الدخول:
- نفْيُ دخولٍ مؤبد.
- ونفي دخولٍ إلى أمد.
فتَحَصَّلَ من هذا أنَّ الخلود في النار نوعان: خلود إلى أمد، وخلود أبدي.
وأنَّ تحريم الجنة -كما جاء في بعض النصوص- أو تحريم النار وقد يكون تحريمًا إلى أمد وقد يكون تحريمًا إلى الأبد.
وكذلك نفي الدخول "لا يدخل الجنة" "لا يدخل النار" هذا أيضا نفي دخولٍ مؤبد أو نفي دخولٍ مؤقت.
وهذا التفصيل هو الذي به يفترق أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح مع الخوارج والمعتزلة وأهل الضلال بجميع أصنافهم، فإنهم جعلوا الخلود واحدًا وجعلوا التحريم واحدًا وجعلوا نفي الدخول واحدًا، والنصوص فيها هذا وهذا.
المسألة السابعة:
في قوله: "لَا يَخْلُدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ" هذه الجملة معروفة أصلًا لأنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهي من باب التأكيد ليست إشارة لخلاف ولا إشارة لشرط ونحو ذلك.
المسألة الثامنة:
في قوله: "بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ مُؤْمِنِينَ" هنا توقف الشارح ابن أبي العز عند قوله: "بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ" وتَعَقَّبَ الطحاوي في لفظ "عَارِفِينَ" وأنَّ المعرفة ليست ممدوحة، فإنَّ بعض الكفار كانوا يعرفون، إبليس يعرف، وفرعون يعرف، وأنَّ في هذا القول وهو "بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ" فيه نوع مشاركة للجهمية ولغلاة المرجئة.
وهذا التعقيب من الشارح -رحمه الله- في هذا الموطن فيه نظر؛ لأنَّ لفظ العارف أو المعرفة هذه ربما جاءت في النص ويُرادُ بها التوحيد والعلم بالشهادتين، فكأنَّ الطحاوي يقول: بعد أن لقوا الله عالمين بالشهادتين مؤمنين.
وهذا جاء في حديث معاذ المشهور أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لمَّا بعثه إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم عرفوا ذلك فأعلمهم)) إلى آخره وهذا اللفظ رواه مسلم في الصحيح، فاستَعْمَلَ لفظ المعرفة ويُعنَى به العلم بالشهادتين.
وتوجيه كلام الطحاوي إلى هذا الأصل أولى من تخطئته فيه؛ لأنَّ الأصل في كلام العلماء الإتباع إلا ما دَلَّ الدليل على خلافه.
المسألة التاسعة:
في قوله: "وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ -عز وجل- فِي كِتَابِهِ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ" هذه الجملة الطويلة تقريرٌ لأصل عند أهل السنة والجماعة خالفوا به الخوارج والمعتزلة: أنَّ أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين تحت المشيئة.
وقول الله -عز وجل-: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} يعني في الكبائر لمن مات غير تائبٍ منها.
والمحققون من أهل العلم جمعوا بين هذه الآية وآية سورة الزمر {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، وهنا {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فأطْلَقَ في آية الزمر وهنا قال: {لِمَنْ يَشَاءُ}، وذلك أنَّ هذه الآية في حق غير التائبين، وأما آية الزمر ففي حق من تاب.
فهو سبحانه لمن مات غير تاب إن شاء غفر وعفا وهذا فضل وإن شاء عَذَّبَ وهذا عدل منه سبحانه بعباده.
ثم قوله: "ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ" هذا فيه ذِكْرُ سببين للخروج من النار في حق أهل الكبائر.
وهذان السَّببان ضَلَّتْ فيها الفرق من المعتزلة والخوارج ومن شابههم:
1- السبب الأول: رحمة الله -عز وجل- والرحمة قاعدة عامة في كل فَضْلٍ يحصل للعبد في الدنيا وفي الآخرة.
فالخروج من النار برحمة الله، التخفيف من الحساب برحمة الله، دخول من دَخَلَ الجنة برحمة الله -عز وجل-، كما صح عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنه قال ((لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنة عملُه)) أو((لن يَدْخُلَ أحدكم الجنة بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))، فهذا السبب عام، فكل من خَرَجَ هو برحمة الله، حتى فيمن شَفَعْ وشُفِّعْ فإنَّ العبد يخرج بعد شفاعة الشافعين برحمة الله -عز وجل-، وهذا يعني أنَّ قوله: "بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ" أنها نفهم منها أنه أراد شيئًا مستقلًا وهو أنه محض تفضِّلٍ منه -عز وجل-؛ عَذَّبَ ثم أخرجهم برحمته.
وهذه الرحمة في هذا الموطن لها تفسيران:
- الوجه الأول: أنَّ جَعْلْ الكبيرة مع ما فيها من عِظَمْ المبارزة لله -عز وجل- والتهاون بأمره ومخالفته وارتكاب نهيه، أنَّ هذه الكبيرة لم يحكم الله -عز وجل- على من ارتكبها أنَّهُ يُعَذَّبُ أبدًا.
فكون العذاب إلى أمد رحمة، ثم انقضاء العذاب رحمة، ثم بعثهم إلى الجنة أيضا رحمة.
- الوجه الثاني: أنّ الله -عز وجل- يُخرجُ من النار أيضًا أقوامًا صاروا حِمَمًا، يعني صاروا على لون السواد من شدة العذاب -والعياذ بالله-، ثم يُلْقَونَ في نهر الحياة فينبُتون فيه من جديد كما تنبت الحِبَّةُ في جانب الوادي وحميل السيل، وهذا أيضًا رحمةٌ من الله -عز وجل- في حق من ارتكب الكبيرة.
2- والسبب الثاني: شفاعة الشافعين من أهل طاعته.
وشفاعة الشافعين:
- أعلاها شفاعة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في أهل الكبائر أن يخرجوا من النار.
- ثم شفاعة الملائكة للمؤمنين الذين ارتكبوا الكبائر أن يخرجوا من النار.
- ثم شفاعة الوالدين لأولادهما.
- وهكذا شفاعة المُحِبْ لحبيبه من أهل الإيمان فيمن شاء الله -عز وجل- أن يُشَفِّعَهُ.
وهذان الأمران: الرحمة على ما ذكرت، وشفاعة الشافعين أيضًا على هذا الوصف- وقد تقدم أظن بحث الشفاعة مُطولًا-، وهذان خالف فيهما أهل الفرق وخاصةً الخوارج والمعتزلة ومن شابههم.
المسألة العاشرة:
قال: "وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وَلَايَتِهِ" هذه الجملة يُذَكِّرُ بها الطحاوي -رحمه الله- كُلَّ من أَنْعَمَ الله -عز وجل- عليه بنعمة أن يتذكَّرْ بأنه أُنْعِمَ عليه وتُفُضِّلَ عليه وأُحْسِنَ إليه ومَنَّ الله -عز وجل- عليه بهذه النعمة، فالذي عَصَى الله -عز وجل- وعفا الله عنه أو عَذَّبَهُ ثم أنجاه، هذا كله من آثار تولي الله -عز وجل- لأهل الإيمان.
وهذا يدل على أنَّ وَلاية الله -عز وجل- لعباده المؤمنين تتبعض ليست كاملة، فإنَّ وَلايَة الله -عز وجل- وهي محبته لعبده ومودته له ونُصرتُه له وتوفيقه ونحو ذلك- لا يكون جملةً واحدة؛ إما أن يأتي في المعيّن وإما أن يزول كقول الوعيدية، بل يجتمع في حق المعين في الدنيا والآخرة أنه محبوبٌ من جهة ومُبغَضٌ من جهة، مُتولًا من جهة ومخذول من جهة أخرى.
وهذا هو الذي أراده في أنَّ أهل الكبائر في اعتقاد أهل السنة والجماعة لا يَخْلُون من نوع وَلايَةِ لله -عز وجل- لهم، فالله -عز وجل- "تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ" يعني أهل توحيده، "وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ" في الدنيا والآخرة "كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ"؛ يعني أهل الكفر الذين {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}؛ بل لهم نصيب من وَلايَةِ الله -عز وجل.
فوَلايَةُ الله وهي محبَتُهُ ونُصرَتُهُ في حق المُعيَّن من أهل القبلة تتبعَّض، يعني تكون في فلان أعظم منها في فلان، فالمؤمن المًسَدَّد الذي كَمَّلَ إيمانه بحسب استطاعته له من وَلايَةِ الله -عز وجل- الولاية الكاملة التي تناسب مقامه في الإيمان، والذي يخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا له نصيب من محبة الله -عز وجل- ووَلايَتِهِ ونُصرَتِهِ بحسب ما عنده من الإيمان.
فإذًا في حق المُعَيَّنْ حتى من أهل الكبائر يجتمع فيه وَلَايَة من جهة وخُذلان من جهة أخرى، وهذا هو معتقد السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة.
ع3:
معتقد فرقة الخوارج في مرتكب الكبيرة
ج1:
نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، لمحمد الوهيبي.
وسنتكلم هنا عن أنواع من الأدلة قد يظن بعض المبتدعة أو قليلو العلم أنها تخالف مذهب أهل هذا الباب، والحقيقة أن من أسباب انحراف هؤلاء وغيرهم، في هذا الباب النظر إلى جانب من النصوص وترك الجانب المقابل، فبعضهم نظر إلى الأحاديث السابقة فأخذ جانب الوعد والرجاء، والبعض الآخر نظر إلى ما سيأتي فأخذ جانب الخوف والوعيد ومذهب أهل السنة متوازن يجمع بين أطراف النصوص ولا يضرب بعضهما ببعض، كما سنبين، ولنأت الآن لذكر أهم الأدلة وهي أنواع، وكل نوع يحتوي على أحاديث كثيرة:
1- النوع الأول: نصوص تنفي الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر:
ومن أشهرها قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، فهم بعض أهل البدع من هذا النص وما في معناه أن المنفي أصل الإيمان أما أهل السنة فأجمعوا على أن المنفي هنا كمال الإيمان جمعًا بين هذا النص وغيره من النصوص، قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله، تعليقًا على هذا الحديث: ".. يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر - إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام - من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم، أوضح الدلائل على صحة قولنا، أن مرتكب الكبيرة ناقص الإيمان بفعله ذلك". وقال النووي رحمه الله: "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة..." وقال المروزي رحمه الله، "فالذي صح عندنا في معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وما روي عنه من الأخبار مما يشبه هذا أن معنى ذلك كله أن من فعل تلك الأفعال لا يكون مؤمنًا مستكمل الإيمان، لأنه ترك بعض الإيمان، نفى عنه الإيمان، يريد به الإيمان الكامل.. وإقامة الحدود عليه دليل على أن الإيمان لم يزل كله عنه، ولا اسمه، ولولا ذلك لوجب استتابته، وقتله، وسقطت الحدود".
إذًا لا مناص من تفسير هذا الحديث وما في معناه بأن المنفي كمال الإيمان أو الإيمان الواجب وليس أصل الإيمان، لأنا لو قلنا إن المنفي أصل الإيمان لوقعنا في تناقض ولضربنا بعض النصوص ببعض، إذ يلزم من هذا القول إسقاط الحدود، ورد الأحادي-ث المصرحة بدخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق، وخروجه من النار... الخ ما سبق بيانه.
وكما أن هذا الحديث رد على الوعيدية الذين يكفرون بالذنوب ففيه أيضًا رد على ألمرجئه الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، حيث بين هذا الحديث خطورة المعاصي وأثرها في نقصان الإيمان.
3- النوع الثاني: نصوص فيها براءة النبي صلى الله عليه وسلم - ومنها:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من حمل علينا السلاح فليس منا " وقوله عليه الصلاة والسلام. " من غش فليس مني "، يقول الإمام أبو عبيد تعليقًا على هذا النوع: "لا نرى شيئًا منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا من ملته، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا ولا من المحافظين على شرائعنا". ويقال فيه ما ذكرنا في النوع الأول من نقص اتباعه وطاعته بفعله ذلك.
3- النوع الثالث: نصوص فيها إطلاق الكفر والشرك على بعض المعاصي، ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).
وقوله: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)).
وقوله: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل".
وقوله: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)).
وهذه الأحاديث استدل بها الخوارج على كفر مرتكب المعاصي وخروجه من الملة، أما أهل السنة فجمعوا بين النصوص وفسروا هذه الأحاديث وأمثالها بعدة تفسيرات، أشهرها أن مرتكب هذه المعاصي قد تشبه بالكافرين والمشركين بأخلاقهم وسيرهم وعمل عملهم، وقد تحمل على المستحل، وقد يقال عن بعضها كفر نعمة.. الخ.
قال الخطابي رحمه الله: (وقوله: ((وقتاله كفر)) فإنما هو على أن يستبيح دمه، ولا يرى أن الإسلام قد عصمه منه، وحرمه عليه.. وقد يتأول هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفار من غير تحقيق للحكم فيه... وهذا لا يوجب أن يكون من فعل ذلك كافرًا به خارجًا عن الملة، وإنما فيه مذمة هذا الفعل وتشبيهه بالكفر، على وجه التغليط لفاعله، ليجتنبه فلا يستحله، ومثله في الحديث كثير"
يضاف في الرد أن أفراد هذه المسائل مثل - سباب المسلم - الحلف بغير الله - النياحة - الطيرة. وقد وردت نصوص أخرى تدل أنها وقعت من البعض ولم يكفر صاحبها، بل حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- منها. مثل قوله: ((لا تحلفوا بآبائكم)) وقوله: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) حيث لم يرتب عليها كفرًا.
واستند أهل السنة في تأويلهم هذا إلى النصوص السابقة في حكم مرتكب الكبيرة من مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وأحاديث الشفاعة وغيرها وبما ثبت عن ابن عباس وغيره من الأئمة في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}: أنه قال: "ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه" فقالوا: كفر دون كفر وشرك دون شرك..الخ".
وأول بعض العلماء الكفر الوارد في الأحاديث بكفر النعمة، وإن كان الأدق والله أعلم أن تؤول بعض النصوص وليس كلها فيها إطلاق الكفر على كفر النعمة مثل ما جاء في حديث كفران العشير ونحوه.
قال النووي رحمه الله: "وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- فيمن ادعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فقيل فيه تأويلان أحدهما: أنه في حق المستحل، والثاني: أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "يكفرن" ثم فسره بكفران الإحسان وكفران العشير".
وقال أبو بكر بن العربي: "فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية – ((لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله)) - كان ذلك دليلًا على تهاونًا بحق الله، فذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج من الملة".
والنوع الرابع: نصوص فيها تحريم النار على من تكلم بالشهادتين، وأخرى فيها تحريم الجنة على مرتكب الكبائر:
مثل قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)).
وقوله: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)).
وقوله: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار)).
فالأدلة الثلاثة الأولى ظاهرها - إذا لم يضم إليها ما يقابلها - يكاد يكون صريحًا في مذهب الخوارج، والدليل الرابع يكاد يكون صريحًا في مذهب المرجئة، ولكن كما كررنا من قبل، من أعظم أسباب ضلال هؤلاء أخذهم بجانب من الأدلة وتركهم الجانب الآخر، أما أهل السنة فينظرون إلى جميع الأدلة والأحاديث إذا ثبت في مسألة معينة فيضمون بعضها إلى بعض، وكأنها دليل واحد، أو حديث واحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل الاعتقاد والعمل بجميع ما في مضمونها
وهكذا نظروا لهذه الأدلة وما يشبهها فقال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير آية قتل العمد المشار إليها بعد أن استعرض الأقوال في تفسيرها: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} وقال الخطابي: "القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة، وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء مالم يقع بين الأول والآخر منافاة، ولو جمع بين قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وبين قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، وألحق به قوله: {لِمَن يَشَاء} لم يكن متناقضًا، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأيضًا فإن قوله: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} إن جازاه الله ولم يعف عنه، فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف، والآية الأخرى وعيد يرضي فيه العفو والله أعلم".
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة)) وقوله: ((فالجنة عليه حرام)) ففيه جوابان: "أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلًا، والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولًا".
إذا يمكن أن نقول لا يدخل الجنة ابتداء، والجنة عليه حرام ابتداء ونحو ذلك. وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((حرم الله عليه النار)) أي حرم الله عليه الخلود في النار، أما دخولها إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء أدخله وإن شاء عفا عنه".
ع3:
معتقد فرقة الخوارج في مرتكب الكبيرة
ج2:
لمحة عن الفرق الضالة، لصالح الفوزان.
فـ"الخوراجُ" الذين يريدونَ تفريقَ جماعةِ المسلمين، وشّقَّ عصا الطاعة، ومعصية الله ورسولهِ في هذا الأمر، ويرون أن مرتكبَ الكبيرةِ كافرٌ.
ومرتكبُ الكبيرة هو: الزاني -مثلًا- والسارقُ، وشاربُ الخمر؛ يرون أنه كافرٌ، في حين أنَّ أهلَ السنّةِ والجماعةِ يرون أنهُ "مسلمٌ ناقصُ الإيمان" حتى لو فعل الكبيرة مستخفًّا بها لا يكفر ما لم يستحلها، خلافًا لما يقوله بعضُهم: من أنَّ مرتكبَ الكبيرة إذا كان مستخفًا يكفر كفرًا مخرجًا عن الملَّة.
وهذا القولُ هو عينُ قولِ الخوارجِ، كما قال ذلك شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عندما سئل عنه بالطائف عام 1415 هـ.
ويسمونه بالفاسق الملَّي؛ فهو "مؤمنٌ بإيمانهِ فاسقٌ بكبيرته"، لأنه لا يخُرِجُ من الإسلام إلا الشركُ أو نواقضُ الإسلام المعروفة، أما المعاصي التي دون الشرك؛ فإنها لا تُخرجُ من الإيمانِ، وإن كانتْ كبائرَ، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}.
و"الخوارجُ" يقولون: مرتكبُ الكبيرة كافرٌ، ولا يٌغفرُ له، وهو مخلّدٌ في النار. وهذا خلافُ ما جاءَ في كتاب الله -سبحانه وتعالى.
والسببُ: أنهم ليسَ عندهم فقهٌ.
لاحظُوا أن السببَ الذي أوقَعَهُم في هذا أنهم ليس عندَهم فقه، لأنَّهم جماعةٌ اشتدوا في العبادةِ، والصلاةِ، والصيامِ، وتلاوةِ القرآنِ، وعندهم غَيرةٌ شديدةٌ، لكنهم لا يفقهون، وهذه هي الآفة.
فالاجتهادُ في الورعِ والعبادةِ؛ لا بدَّ أن يكونَ مع الفقه في الدين والعلم.
ولهذا وصفهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه، بأن الصحابةَ يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، وعبادتهم إلى عبادتهم، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يمرُقُون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمَّيةِ)) -جزءٌ من حديثٍ طويل، أخرجه أحمد: (3/73)، والبخاري: (7432)، ومسلم: (1064)، والنسائي: (2577) (4112)، وأبو داود: (7464)، والطيالسي: (2234) من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه -.
ومن حديث علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه -:
البخاري: (3611) (5057) (6930)، ومسلم: (1066)، وأبو داود: (4767)، والطيالسي: (168)، والنسائي: (4113)، وأحمد: (1/81) (1/113).
ومن حديث جابر -رضي الله عنه- عند: أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
ومن حديث سهل بن حنيف -رضي الله عنه- عند:
الشيخين، والنسائي.
ومن حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عند: أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
ومن حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- عند: أحمد، والطيالسي، والنسائي، والحاكم.
ومن حديث أبي سعيد وأنس -رضي الله عنهما- عند: أحمد، وأبي داود، والحاكم في "مستدركه".
ومن حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- عند: أحمد، والطبراني.
ومن حديث عامر بن وائلة -رضي الله عنه- عند: الطبراني.
مع عبادتهم، ومع صلاحهم، ومع تهجدهم وقيامهم بالليل، لكن لما كان اجتهادُهم ليس على أصلٍ صحيحٍ، ولا على علمٍ صحيح، صار ضلالًا ووباءً وشرًّا عليهم وعلى الأمةِ.
وما عُرِفَ عن "الخوارجِ" في يومٍ من الأيام أنهم قاتلوا الكفار، أبدًا، إنما يقاتلون المسلمين، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يقتلون أهلَ الإسلامِ ويَدَعُون أهلَ الأوثانِ)). جزءٌ من حديثٍ طويل، أخرجه أحمد: (3/73) (3/68) ومختصرًا: (3/72)، والبخاري: (7432) (4667) مختصرًا، ومسلم: (1064)، والنسائي: (2577) (4112)، وأبو داود: (7464)، والطيالسي: (2234).
فما عرفنا في تاريخ "الخوارجِ"، في يومٍ من الأيام أنَّهم قاتلوا الكفار والمشركينَ، وإنما يقاتلون المسلمين دائمًا: قتلوا عثمان. وقتلوا علي بن أبي طالب. وقتلوا الزبير بن العوام. وقتلوا خيار الصحابة. وما زالوا يقتلون المسلمين.
وذلك بسبب جهلهم في دين الله -عزَّ وجلَّ- مع ورَعِهم، ومع عبادتهم، ومع اجتهادهم، لكن لما لم يكنْ هذا مؤسَّسًا على علمٍ صحيح؛ صارَ وبالًا عليهم، ولهذا يقول العلامةُ ابنُ القيم في وصفهم:
نونية ابن القيم المسمّاة: "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" ص: 97.
فهم استدلوا بنصوصٍ وهم لا يفهمونها، استدلوا بنصوصٍ من القرآن ومن السنّة؛ في الوعيدِ على المعاصي، وهم لا يفقهون معناها، لم يُرجعوها إلى النصوص الأخرى، التي فيها الوعدُ بالمغفرة، والتوبة لمن كانت معصيتُه دون الشرك؛ فأخذوا طرفًا وتركوا طرفًا. هذا لجهلهم.
والغيرةُ على الدين والحماسُ لا يكفيان، لا بد أَنْ يكونَ هذا مؤسَّسًا على علمٍ، وعلى فقهٍ في دين الله -عز وجل- يكونُ ذلك صادرًا عن علمٍ، وموضوعًا في محله.
والغيرةُ على الدين طيبةٌ، والحماسُ للدين طيِّب، لكن لا بد أن يُرشًَّدَ ذلك باتباع الكتابِ والسنة.
ولا أَغْيَرَ على الدين، ولا أنصحَ للمسلمين؛ من الصحابة -رضي الله عنهم- ومع ذلك قاتلوا "الخوارج"؛ لخطرهم وشرِّهم.
قاتَلهم عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- حتى قتَلهم شرَّ قِتْلَةٍ في وقعةِ " النهروان "، وتحقق في ذلك ما أخبر به صلى الله عليه وسلم: من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَشَّرَ من يقتُلُهم بالخير والجنة. فكان علي بن أبي طالب هو الذي قتلَهم، فحصَلَ على البشارةِ من الرسول صلى الله عليه وسلم. [ روى البخاري في صحيحه: (6930)، ومسلم في صحيحه: (1066)، وأحمد في مسنده: (1/113)، وابن أبي عاصم في "السنة": (914)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة": (1487):
عن علي -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يخرجُ في آخرِ الزمانِ قومٌ أحداثُ الأسنانِ، سفهاءُ الأحلامِ، يقولون من خير قول البريةِ، لا يجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقُتلوهُم؛ فإنًّ قَتْلَهم أجرٌ لمن قتَلَهم يوم القيامة)).
قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- بعدما روى حديثًا في الخوارج وعلاماتِهم، رواه أحمد في "المسند": (3/33)، وابنه في "السنة": (1512) -قال: "فحدثني عشرون أو بضعٌ وعشرون من أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ عليًّا وَلِيَ قتْلَهم".
وروى أحمد: (1/59)، ومسلم: (1066)، وعبد الله بن الإمام أحمد في "السنة": (1471) عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرجُ قومٌ فيهم رجلٌ مودنٌ اليدِ، أو مثدون اليدِ، أو مخدج اليدِ، ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وَعَدَ الله الذين يقاتلونهم على لسان نبيه)).
وروى مسلم: (1065)، وأبو داود: (4667)، وعبد الله بن الإمام أحمد في "السنة": (1511) عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تَمرق مارقةٌ في فِرقَةٍ من المسلمين، يقتُلُهما أولى الطائفتين بالحق)).
هذا، وقد جاء الأمرُ بقتلِهم وفضلِه في أحاديثَ كثيرةٍ، ليسَ هذا مجالُ ذِكرِها.
قَتَلَهُم ليدفعَ شرَّهم عن المسلمين.
وواجبٌ على المسلمين في كلِّ عصرٍ إذا تحققوا من وجودِ هذا المذهبِ الخبيثِ؛ أن يعالجوه بالدعوة إلى الله أولًا، وتبصيرِ الناس بذلك؛ فإن لم يمتثلوا قاتَلُوهم دفعًا لشرِّهم.
وعليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه - أرسلَ إليهم ابنَ عمه: عبدَ الله بنَ عباس، حَبْرَ الأمة، وترجمانَ القرآن؛ فناظرَهم، ورَجَعَ منهم ستَّةُ آلاف، وبقي منهم بقيةٌ كثيرةٌ لم يرجعوا، عندَ ذلك قاتَلَهم أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب ومعه الصحابة؛ لدفعِ شرِّهم وأذاهم عن المسلمين.
هذه "فرقةُ الخوراج" ومذهبُهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق