الدرس 1:
المدخلالحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد فيا أخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الأول من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة (العقيدة خاص 6) لهذا الفصل الدِّراسيّ. ( العقيدة (خاص)6
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: التعريف بأهل السنة ومنهجهم، وحكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والخوارج؛
فأهلًا وسهلًا بك.
الثمرات التعليمية عند نهاية هذا الدرس تستطيع بإذن الله أن:
عناصر الدرس
ملخص الدرس· مفهوم أهل السنة والجماعة:
· مفهوم السنة:
في اللغة: الطريقة حسنة كانت أو قبيحةً.
أما في الاصطلاح: فتطلق السنة ويراد بها كل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- غير القرآن.
وعند الفقهاء تعني المندوب، وما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقابل البدع.
والسنة تشتمل على أصول الدين وأمور العقائد أيضًا.
· أما مفهوم الجماعة:
فهو في اللغة: من الاجتماع، وهو ضد التفرق.
وفي الاصطلاح: يؤول معنى الجماعة في التحقيق إلى قولين يكمل أحدهما الآخر: الاجتماع على الحق، ومتابعة السنة، وهي بهذا تقع في مقابلة الابتداع والتفرق في الدين، والاجتماع على الكيان القائم على هذا الحق، وهي بهذا تقع في مقابلة البغي والتفرق.
· أهل السنة والجماعة لهم منهج متميز بالوسطية أثنى عليه ربنا -جل وعلا- بقوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً)) [البقرة: 143] -صلى الله عليه وسلم- فهم في أبواب الاعتقاد وسطٌ في باب الأسماء والأحكام بين الوعيدية والمرجئة، وفي باب الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة، وفي باب القدر وسط بين القدرية والجبرية، وفي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسط بين الجفاة والغلاة.
· اتفق أهل السنة والجماعة على أن المعاصي من أمور الجاهلية، ولا يكفر فاعلها بارتكابها إلا بالاستحلال، وأن أصحاب الكبائر في مشيئة الله، إن شاء الله عذبهم وإن شاء الله غفر لهم، ولا نشهد عليهم في الدنيا بكفر كما يقول الخوارج، ولا يحكم بخلودهم في النار كما يجزم بذلك الخوارج والمعتزلة، بل نقول: من يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض إلى ربه.
والاستحلال تارةً يئول إلى كفر التكذيب إذا كان إنكارًا للحكم الشرعي وتكذيبًا له، وتارةً يئول إلى كفر الرد، فإذا كان امتناعًا عن قبول الحكم الشرعي أو التزامه، فقد عرفنا أن أصل الإيمان تصديق الخبر والانقياد للأمر، فكل ما آل إلى التكذيب أو الرد فإنه يعود على أصل الإيمان بالنقد.
ومن الأدلة على ذلك: تفريق الشريعة بين الشرك والكفر من ناحية، وبين بقية الذنوب من ناحية أخرى، وذلك في مثل قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] ففرق بين الشرك وبين ما دونه من المعاصي كما قال تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات: 7] فالآية فَرَّقت بين الكفر من ناحية وبين الفسوق والعصيان من ناحية أخرى.
· الخوارج: هم الذين اعتقدوا أن المعاصي من جنس الشرك أو الكفر، ومَن ارتكب معصية فقد خالف أصل الإيمان، ولا بد في التوبة منها من العودة إلى الإسلام، أو الدخول في الإيمان مرة أخرى؛ لأنه من عصَى الله في أي شيء ولم يتب، فهو كافر مرتد حلال الدم، لا سيما إذا ارتكب كبيرة من الكبائر، فذلك أمر كادت فرق الخوارج أن تجمع عليه، والخوارج إذ يعتقدون هذا إنما أخذوه من عمومات القرآن الكريم، مع إغفال النصوص الأخرى أو الأدلة المخصصة، والسلوك في فهمها مسلكًا ملتويًا منحرفًا.
وقد زعموا أن نصوص الشريعة التي جاءت في هذا الصدد وتناولت هذه القضية على نوعين:
· الأول: يبين أن الذنوب كلها كفر وشرك، فمن عصَى فقد كفر.
· والثاني: يستثني التوبة إلا الذين تابوا، وبالجمع بينهما ينتج أن مَن عصى الله ولم يتب فهو كافر حلال الدم، هكذا زعموا!
فإذا سألتَ: ما الدليل على أن كل الذنوب والمعاصي كفر وشرك عندهم؟
قالوا: هناك الكثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)) (الجاثية: 23) وقوله سبحانه: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [يس: 60] وكذلك قال عز وجل: ((إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)) [النحل: 100] وقوله عز من قائل: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام: 121] وكقوله سبحانه تعالى: ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)) [النساء: 14] وكذلك: ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدً)) [الجن: 23] وقوله سبحانه: ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة: 81].
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)).
· وفي ردنا على فهمهم لهذه الأدلة جملةً نقول:
· أولًا:
لقد خدعتم في فهم هذه النصوص على عمومها؛ لأنكم أخذتم جانبًا من النصوص وتركتم الجانب الآخر فيها؛ وذلك لأن الله قد قسَّم الذنوب إلى قسمين: شرك، وما دون الشرك، في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] ومعلوم أن المغفرة لا تكون للطاعة بل للمعصية، ولا تكون للحسنة بل للسيئة، فكل ما ذُكِرَ من النصوص السابقة -وهي من العموميات- لا بد أن تقيد بهذا النص العام، ولا بد أن تفهم أنها ليست على إطلاقها، طبقًا للقاعدة الأصولية: ((حَمْل العام على الخاص)).
فكل هذه النصوص في النهاية كنص واحد يتقيد بنص هذه الآية: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48].
ومن العجيب أنك تجد الفرقة التي تقول بهذا أصحاب هذا الفكر الغريب الخوارج قديمًا والإباضية حديثًا، والتفكير امتداد لفكر الخوارج، أحدثوا تفرقةً تحكميةً بين النصوص، فزعموا أن النصوص الواردة في الشريعة في جانب الوعد إنما جاءت للبشارة فقط وليست للحكم لأحد بعينه بالإسلام، وأن النصوص الواردة في جانب الوعيد إنما هي للحكم مع الترهيب!
وهذه التفرقة عجيبة وغريبةٌ، ولا تخرج عن كونها تحكمًا وتقديمًا بين يدي الله ورسوله، وقولًا في الإسلام بالرأي، وعلى الله بغير علم.
· ثانيًا:
نقول: أيضًا: إن هذه العمومات في الوعيد معارضة بعمومات مثلها في الوعد، ولنتأمل معًا النصوص الآتية. قال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [النساء: 13] وقال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقً)) [النساء: 69] وقال -عز من قائل- ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) [النور: 52] وقال سبحانه: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً)) [الأحزاب: 71] وقال -عز من قال: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)) [الفتح: 17].
فإذا قابلنا أيَّ نصٍ من النصوص العامة الواردة في الوعيد بنص من نصوص الوعد، انكشف لنا في المسالة أمر مهم، وهو حري بالبحث والتأمل، إذ لا بد من التوفيق بين العمومات؛ لأن الأخذ بظاهرها موقِعٌ في التناقض لا محالةَ.
وبيان ذلك: أن التطبيق المباشر لعموم الوعد يعني: أن أي طاعة واحدة تكفي لدخول الجنة حتمًا ولو اجتمعت معها سائر المعاصي، كما أن التطبيق المباشر لعمومات الوعيد يعني: أن أي معصية واحدة تفضي إلى الخلود في النار حتمًا ولو اجتمع معها سائر الطاعات من فرائض وقربات، فإطلاق الجانبين بهذه الصورة يستحيل شرعًا وعقلًا، إذ يرد عليه: بأن مَن جمع بين المعصية والطاعة يكون كافرًا مسلمًا، خالدًا في النار خالدًا في الجنة في الوقت نفسه؛ لأنه بمقتضى معصية واحدة تطبق عليه نصوص الوعيد التي تقرر الخلود في النار، وبمقتضى طاعة واحدة تطبق عليه نصوص الوعد التي تقرر الخلود في الجنة، وفي ذلك جَمْعٌ بين المتناقضين، وهو عين المستحيل. وإذا استبعدنا هذه الطريقة في الفهم لاستحالتها، وجدنا أمامنا طريقين، وكلاهما باطل. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: فإن القول بأحدهما ترجيح بلا مرجح؛ إما إطلاقاتُ عمومِ الوعدِ كما فعلتْ طائفة المرجئة، والقول بأن طاعة واحدة تكفي لدخول الجنة، وهذه الطاعة هي التصديق، ولا بد في جانب الوعيد من اجتماع المعاصي كلها للخلود في النار، ومن ثَم شاع عنهم القول: ((لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة))، وإما إطلاق عموم الوعيد كما فعلت الخوارج، والقول بأن أي معصية واحدة تكفي للخلود في النهار، ولا بد في جانب الوعد من اجتماع الطاعات كلها للخلود في الجنة.
وكلا الطريقين في الفهم من الوِجهة العقلية يسوغ، كما لا يوجد في جانبي هذه العمومات ما يحول دونه، ويكون الأخذ بأيهما ترجيحًا بلا مرجح، فليس هذه الطريق بأولى في الفهم من تلك.
· ثالثاً:
الذنوب إما شرك وإما ما دون الشرك، فالشرك لا يغفر إلا بالإقلاع عنه في مثل قول الله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)) [الأنفال: 38] وأما ما دون الشرك فإن الله -عز وجل- جعل له مكفرات، على رأس هذه المكفرات مشيئته سبحانه: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] نجد من المكفرات: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)) [النساء: 31].
كذلك الحدود جوابر لأهلها، فإن الله -عز وجل- أكرم من أن يثني العقوبة على عبده، فكما أن الحدود زواجر هي جوابر، والمصائب بها تكفَّر الذنوب والسيئات. وهكذا أمور كثيرة.
على رأس هذه الأمور مشيئة الله -جل وعلا- في الآية: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] أما ما زعمته الخوارج ومَن سار على نهجها بتكفير مرتكب الكبيرة والحكم عليه بالخلود في النار، وعدم مغفرة ما اقترفه من الكبائر، فهذا يترتب عليه فهم خاطئ وضال، يتنافَى مع هذه الآية الكريمة: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] يترتب عليه احتمالان، كلاهما باطل:
· الأول: أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر أن يشرك به، ما دامت الذنوب من جنس الشرك.
· والاحتمال الثاني: إن لا يغفر أن يعصى ويغفر أن يطاع، لا يغفر أن يعصى باعتبار المعصية عندهم شركًا، وباعتبار أنه ليس عندهم ما دون الشرك، إذن هو يفغر أن يطاع، وكلا الاحتمالين أمر فظيع.
· أما الاحتمال الأول: فلأنهم يجعلون مطلق المعصية شركًا، ولما كان ما دون ذلك هو من قبيل المعاصي وإن كانت أصغرَ من المعاصي الأولى، فيصير هو الآخر شركًا، بناء على مفهومهم، وهذا الاحتمال بين البطلان.
· أما الاحتمال الثاني: فإن كلمة: ((يُشْرَكَ)) الواردة في النص قد استوعبت جميع المعاصي، بناء على تصورهم، فلم يبقَ ما دون ذلك إلا أن تكون الطاعة. إذن لم يبقَ من الأعمال إلا الطاعة، وهذا بين في بطلانه، بل هو أبين من الأول، وقوله: ((لَمَنْ يَشَاء)) الواردة في الآية تكون حسب زعمهم: قسمت مرتكبي ما دون الشرك إلى قسمين الأول: شاء أن يغفر له، والثاني لم يشأ أن يغفر له، وقالوا: إن القسم الثاني يضاف إلى الشرك، ويكون تعلقه بمن لم يجتنب الشرك؛ لأن ما دون الشرك يغفر باجتناب الشرك قطعًا، فيكون هذا القسم الثاني منصرفًا إلى الصغائر التي يفعلها الكافرون.
ويريدون أن يصلوا من هذا إلى القاعدتين الآتيتين:
ما دون الشرك يغفر قطعًا من غير توبة.
الشرك هو ما لا يغفر إلا بتوبة.
والآية تتحدث عن حكمين لقضيتين مختلفتين:
· الأولى: قضية الشرك وبينت أنه لن يغفر.
· والثانية: قضية ما دون الشرك وبينت أنه في مشيئة الله، قد يغفر وقد لا يغفر.
وبعد أن قررت الآية عدم مغفرة الشرك، أصبح من البدهي عقلًا وشرعًا، أن قضية مغفرة ما دون الشرك أو عدم مغفرته لا تتأثر أصلًا ولا تُبحث من حيث المبدأ إلا في نطاق اجتناب الشرك، وبصدد قوم لم يقترفوه وتابوا منه؛ لأنهم لو لم يجتنبوا الشرك لكانوا خالدين في جهنم بذلك، فكيف تثار المغفرة وعدمها بالنسبة لقوم تم الفصل في مصيرهم من قبل وهو الخلود في النار، وما قيمة المغفرة إذًا؟
ومن الأدلة التي تبين مغفرة الكبائر ما جاء في الحديث الصحيح قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وشرب الخمر)).
خاتمة الدرسبهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الأول، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثاني، والذي ينعقد بإذن الله حول: مسألة التكفير.
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد فيا أخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الأول من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة (العقيدة خاص 6) لهذا الفصل الدِّراسيّ. ( العقيدة (خاص)6
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: التعريف بأهل السنة ومنهجهم، وحكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والخوارج؛
فأهلًا وسهلًا بك.
الثمرات التعليمية عند نهاية هذا الدرس تستطيع بإذن الله أن:
- تعرف معنى كلمة أهل السنة والجماعة، ومنهجها.
- تلم بموقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير.
- تبين معتقد فرقة الخوارج في مرتكب الكبيرة.
- تعلم رد شبهة الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة والحكم عليه بالخلود في النار.
عناصر الدرس
- معنى كلمة أهل السنة والجماعة، ومنهجها
- موقف أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة التكفير
- معتقد فرقة الخوارج في مرتكب الكبيرة
- رد شبهة الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة والحكم عليه بالخلود في النار
ملخص الدرس· مفهوم أهل السنة والجماعة:
· مفهوم السنة:
في اللغة: الطريقة حسنة كانت أو قبيحةً.
أما في الاصطلاح: فتطلق السنة ويراد بها كل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- غير القرآن.
وعند الفقهاء تعني المندوب، وما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقابل البدع.
والسنة تشتمل على أصول الدين وأمور العقائد أيضًا.
· أما مفهوم الجماعة:
فهو في اللغة: من الاجتماع، وهو ضد التفرق.
وفي الاصطلاح: يؤول معنى الجماعة في التحقيق إلى قولين يكمل أحدهما الآخر: الاجتماع على الحق، ومتابعة السنة، وهي بهذا تقع في مقابلة الابتداع والتفرق في الدين، والاجتماع على الكيان القائم على هذا الحق، وهي بهذا تقع في مقابلة البغي والتفرق.
· أهل السنة والجماعة لهم منهج متميز بالوسطية أثنى عليه ربنا -جل وعلا- بقوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً)) [البقرة: 143] -صلى الله عليه وسلم- فهم في أبواب الاعتقاد وسطٌ في باب الأسماء والأحكام بين الوعيدية والمرجئة، وفي باب الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة، وفي باب القدر وسط بين القدرية والجبرية، وفي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسط بين الجفاة والغلاة.
· اتفق أهل السنة والجماعة على أن المعاصي من أمور الجاهلية، ولا يكفر فاعلها بارتكابها إلا بالاستحلال، وأن أصحاب الكبائر في مشيئة الله، إن شاء الله عذبهم وإن شاء الله غفر لهم، ولا نشهد عليهم في الدنيا بكفر كما يقول الخوارج، ولا يحكم بخلودهم في النار كما يجزم بذلك الخوارج والمعتزلة، بل نقول: من يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض إلى ربه.
والاستحلال تارةً يئول إلى كفر التكذيب إذا كان إنكارًا للحكم الشرعي وتكذيبًا له، وتارةً يئول إلى كفر الرد، فإذا كان امتناعًا عن قبول الحكم الشرعي أو التزامه، فقد عرفنا أن أصل الإيمان تصديق الخبر والانقياد للأمر، فكل ما آل إلى التكذيب أو الرد فإنه يعود على أصل الإيمان بالنقد.
ومن الأدلة على ذلك: تفريق الشريعة بين الشرك والكفر من ناحية، وبين بقية الذنوب من ناحية أخرى، وذلك في مثل قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] ففرق بين الشرك وبين ما دونه من المعاصي كما قال تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات: 7] فالآية فَرَّقت بين الكفر من ناحية وبين الفسوق والعصيان من ناحية أخرى.
· الخوارج: هم الذين اعتقدوا أن المعاصي من جنس الشرك أو الكفر، ومَن ارتكب معصية فقد خالف أصل الإيمان، ولا بد في التوبة منها من العودة إلى الإسلام، أو الدخول في الإيمان مرة أخرى؛ لأنه من عصَى الله في أي شيء ولم يتب، فهو كافر مرتد حلال الدم، لا سيما إذا ارتكب كبيرة من الكبائر، فذلك أمر كادت فرق الخوارج أن تجمع عليه، والخوارج إذ يعتقدون هذا إنما أخذوه من عمومات القرآن الكريم، مع إغفال النصوص الأخرى أو الأدلة المخصصة، والسلوك في فهمها مسلكًا ملتويًا منحرفًا.
وقد زعموا أن نصوص الشريعة التي جاءت في هذا الصدد وتناولت هذه القضية على نوعين:
· الأول: يبين أن الذنوب كلها كفر وشرك، فمن عصَى فقد كفر.
· والثاني: يستثني التوبة إلا الذين تابوا، وبالجمع بينهما ينتج أن مَن عصى الله ولم يتب فهو كافر حلال الدم، هكذا زعموا!
فإذا سألتَ: ما الدليل على أن كل الذنوب والمعاصي كفر وشرك عندهم؟
قالوا: هناك الكثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)) (الجاثية: 23) وقوله سبحانه: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [يس: 60] وكذلك قال عز وجل: ((إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)) [النحل: 100] وقوله عز من قائل: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام: 121] وكقوله سبحانه تعالى: ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)) [النساء: 14] وكذلك: ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدً)) [الجن: 23] وقوله سبحانه: ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة: 81].
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)).
· وفي ردنا على فهمهم لهذه الأدلة جملةً نقول:
· أولًا:
لقد خدعتم في فهم هذه النصوص على عمومها؛ لأنكم أخذتم جانبًا من النصوص وتركتم الجانب الآخر فيها؛ وذلك لأن الله قد قسَّم الذنوب إلى قسمين: شرك، وما دون الشرك، في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] ومعلوم أن المغفرة لا تكون للطاعة بل للمعصية، ولا تكون للحسنة بل للسيئة، فكل ما ذُكِرَ من النصوص السابقة -وهي من العموميات- لا بد أن تقيد بهذا النص العام، ولا بد أن تفهم أنها ليست على إطلاقها، طبقًا للقاعدة الأصولية: ((حَمْل العام على الخاص)).
فكل هذه النصوص في النهاية كنص واحد يتقيد بنص هذه الآية: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48].
ومن العجيب أنك تجد الفرقة التي تقول بهذا أصحاب هذا الفكر الغريب الخوارج قديمًا والإباضية حديثًا، والتفكير امتداد لفكر الخوارج، أحدثوا تفرقةً تحكميةً بين النصوص، فزعموا أن النصوص الواردة في الشريعة في جانب الوعد إنما جاءت للبشارة فقط وليست للحكم لأحد بعينه بالإسلام، وأن النصوص الواردة في جانب الوعيد إنما هي للحكم مع الترهيب!
وهذه التفرقة عجيبة وغريبةٌ، ولا تخرج عن كونها تحكمًا وتقديمًا بين يدي الله ورسوله، وقولًا في الإسلام بالرأي، وعلى الله بغير علم.
· ثانيًا:
نقول: أيضًا: إن هذه العمومات في الوعيد معارضة بعمومات مثلها في الوعد، ولنتأمل معًا النصوص الآتية. قال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [النساء: 13] وقال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقً)) [النساء: 69] وقال -عز من قائل- ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) [النور: 52] وقال سبحانه: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً)) [الأحزاب: 71] وقال -عز من قال: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)) [الفتح: 17].
فإذا قابلنا أيَّ نصٍ من النصوص العامة الواردة في الوعيد بنص من نصوص الوعد، انكشف لنا في المسالة أمر مهم، وهو حري بالبحث والتأمل، إذ لا بد من التوفيق بين العمومات؛ لأن الأخذ بظاهرها موقِعٌ في التناقض لا محالةَ.
وبيان ذلك: أن التطبيق المباشر لعموم الوعد يعني: أن أي طاعة واحدة تكفي لدخول الجنة حتمًا ولو اجتمعت معها سائر المعاصي، كما أن التطبيق المباشر لعمومات الوعيد يعني: أن أي معصية واحدة تفضي إلى الخلود في النار حتمًا ولو اجتمع معها سائر الطاعات من فرائض وقربات، فإطلاق الجانبين بهذه الصورة يستحيل شرعًا وعقلًا، إذ يرد عليه: بأن مَن جمع بين المعصية والطاعة يكون كافرًا مسلمًا، خالدًا في النار خالدًا في الجنة في الوقت نفسه؛ لأنه بمقتضى معصية واحدة تطبق عليه نصوص الوعيد التي تقرر الخلود في النار، وبمقتضى طاعة واحدة تطبق عليه نصوص الوعد التي تقرر الخلود في الجنة، وفي ذلك جَمْعٌ بين المتناقضين، وهو عين المستحيل. وإذا استبعدنا هذه الطريقة في الفهم لاستحالتها، وجدنا أمامنا طريقين، وكلاهما باطل. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: فإن القول بأحدهما ترجيح بلا مرجح؛ إما إطلاقاتُ عمومِ الوعدِ كما فعلتْ طائفة المرجئة، والقول بأن طاعة واحدة تكفي لدخول الجنة، وهذه الطاعة هي التصديق، ولا بد في جانب الوعيد من اجتماع المعاصي كلها للخلود في النار، ومن ثَم شاع عنهم القول: ((لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة))، وإما إطلاق عموم الوعيد كما فعلت الخوارج، والقول بأن أي معصية واحدة تكفي للخلود في النهار، ولا بد في جانب الوعد من اجتماع الطاعات كلها للخلود في الجنة.
وكلا الطريقين في الفهم من الوِجهة العقلية يسوغ، كما لا يوجد في جانبي هذه العمومات ما يحول دونه، ويكون الأخذ بأيهما ترجيحًا بلا مرجح، فليس هذه الطريق بأولى في الفهم من تلك.
· ثالثاً:
الذنوب إما شرك وإما ما دون الشرك، فالشرك لا يغفر إلا بالإقلاع عنه في مثل قول الله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)) [الأنفال: 38] وأما ما دون الشرك فإن الله -عز وجل- جعل له مكفرات، على رأس هذه المكفرات مشيئته سبحانه: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] نجد من المكفرات: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)) [النساء: 31].
كذلك الحدود جوابر لأهلها، فإن الله -عز وجل- أكرم من أن يثني العقوبة على عبده، فكما أن الحدود زواجر هي جوابر، والمصائب بها تكفَّر الذنوب والسيئات. وهكذا أمور كثيرة.
على رأس هذه الأمور مشيئة الله -جل وعلا- في الآية: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] أما ما زعمته الخوارج ومَن سار على نهجها بتكفير مرتكب الكبيرة والحكم عليه بالخلود في النار، وعدم مغفرة ما اقترفه من الكبائر، فهذا يترتب عليه فهم خاطئ وضال، يتنافَى مع هذه الآية الكريمة: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] يترتب عليه احتمالان، كلاهما باطل:
· الأول: أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر أن يشرك به، ما دامت الذنوب من جنس الشرك.
· والاحتمال الثاني: إن لا يغفر أن يعصى ويغفر أن يطاع، لا يغفر أن يعصى باعتبار المعصية عندهم شركًا، وباعتبار أنه ليس عندهم ما دون الشرك، إذن هو يفغر أن يطاع، وكلا الاحتمالين أمر فظيع.
· أما الاحتمال الأول: فلأنهم يجعلون مطلق المعصية شركًا، ولما كان ما دون ذلك هو من قبيل المعاصي وإن كانت أصغرَ من المعاصي الأولى، فيصير هو الآخر شركًا، بناء على مفهومهم، وهذا الاحتمال بين البطلان.
· أما الاحتمال الثاني: فإن كلمة: ((يُشْرَكَ)) الواردة في النص قد استوعبت جميع المعاصي، بناء على تصورهم، فلم يبقَ ما دون ذلك إلا أن تكون الطاعة. إذن لم يبقَ من الأعمال إلا الطاعة، وهذا بين في بطلانه، بل هو أبين من الأول، وقوله: ((لَمَنْ يَشَاء)) الواردة في الآية تكون حسب زعمهم: قسمت مرتكبي ما دون الشرك إلى قسمين الأول: شاء أن يغفر له، والثاني لم يشأ أن يغفر له، وقالوا: إن القسم الثاني يضاف إلى الشرك، ويكون تعلقه بمن لم يجتنب الشرك؛ لأن ما دون الشرك يغفر باجتناب الشرك قطعًا، فيكون هذا القسم الثاني منصرفًا إلى الصغائر التي يفعلها الكافرون.
ويريدون أن يصلوا من هذا إلى القاعدتين الآتيتين:
ما دون الشرك يغفر قطعًا من غير توبة.
الشرك هو ما لا يغفر إلا بتوبة.
والآية تتحدث عن حكمين لقضيتين مختلفتين:
· الأولى: قضية الشرك وبينت أنه لن يغفر.
· والثانية: قضية ما دون الشرك وبينت أنه في مشيئة الله، قد يغفر وقد لا يغفر.
وبعد أن قررت الآية عدم مغفرة الشرك، أصبح من البدهي عقلًا وشرعًا، أن قضية مغفرة ما دون الشرك أو عدم مغفرته لا تتأثر أصلًا ولا تُبحث من حيث المبدأ إلا في نطاق اجتناب الشرك، وبصدد قوم لم يقترفوه وتابوا منه؛ لأنهم لو لم يجتنبوا الشرك لكانوا خالدين في جهنم بذلك، فكيف تثار المغفرة وعدمها بالنسبة لقوم تم الفصل في مصيرهم من قبل وهو الخلود في النار، وما قيمة المغفرة إذًا؟
ومن الأدلة التي تبين مغفرة الكبائر ما جاء في الحديث الصحيح قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وشرب الخمر)).
خاتمة الدرسبهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الأول، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثاني، والذي ينعقد بإذن الله حول: مسألة التكفير.
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق