الدرس10:
المدخلالحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس العاشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة وسائل الدعوة وأساليبهاMeans and Methods of Da‘wah لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: شرح الفواصل الموجودة في سُور: الأمثال في القرآن، والأسلوب القصصي وأهميته في الدعوة إلى الله
فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية
عند نهاية هذا الدَّرس يتاح لك بإذن الله أن:
عناصر الدرس
ملخص الدرسالأمثال في القرآن الكريم كوسيلة من وسائل الدعوة:
ساق القرآن الكريم أمثاله لتكون أحد أساليبه في إبلاغ الدعوة؛ ولذلك نراها تشتمل على الخصائص التالية:
أولًا: لا تترك الداعية وحده أمام معارضيه المعاندين، بل تمده بسلاح الصبر والتحمل وتعرفه أن الابتلاء ليس مقصورًا عليه وحده، يقول الله -تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)) [البقرة: 214].
ثانيًا: تبصر بالدعوة وتوضح أساسياتها وتعطي الداعية مبادئها لكي يعمل على هدي بها، وأول هذه الأساسيات معرفة الله -تعالى- والإيمان به عن اقتناع كامل ويقين دقيق، هذا المثل يذكره الله في قوله -تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) [الحج: 73]
ومع وضوح الأدلة نجد أقوامًا يعيشون النعم ويسمونها ثم يهملون الإيمان بالله.
ثالثًا: تبصر بالمدعوين وتعرف بهم وبالدنيا التي يعيشونها؛ وذلك لكي تساهم مع بقية الأساليب في تبصير الداعية بالجو العام الذي يدعو فيه؛ ومن هذه المساهمة توضيحه لما يلي:
الجدل طبيعة إنسانية فالإنسان جدلي بطبعه وذلك في قوله: ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)) [الكهف: 54]، وهكذا جادل الإنسان رغم كثرة الآيات وشمولها ووضوحها وملاءمتها للطبيعة البشرية.
رابعًا: الموعظة الحسنة؛ لأنها تثير الانفعال وتخاطب الوجدان وتصور المعقول.
يقول الإمام السيوطي نقلًا عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرًا ووعظًا، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب أو على إحباط عمل أو على مدح أو نحوه فإنه يدل على الإحكام، وهكذا يشتمل المثل على التذكير والوعظ ونتيجة العمل والمدح والذم مما يجعله موعظة حسنة.
ويأتي المثل على قدر الطاقة البشرية من أجل أن يستنزل المعاني الصعبة ويجعلها في متناول العقل الإنساني، وذلك في بيان معجز وترتيب عجيب
* فنية المثل في إبلاغ الدعوة.
جاء المثل في القرآن الكريم ليقوم بدوره كما أراد الله له كأحد أساليب الدعوة؛ لذلك اشتمل على عدد من الخصائص ومنها ما يلي:
الدقة والواقعية: فالناظر في المثل القرآني يلحظ دقته الفريدة المؤثرة، فهو دائمًا لا يمثل بالغريب، وإنما يتخير من المحسوسات الموجودة ويجليها بأوصافها ويضعها في المثال شاهدة واضحة على ما يريد ذكره وبيانه، ومن ذلك قول الله -تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [العنكبوت: 41]، ومن علامة الدقة في الأمثلة القرآنية أنه حينما يضرب المثل بصورة غير موجودة بالفعل تجده يأتي بها صورة يمكن أن توجد حقيقة؛ وذلك كقوله -تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)) [الجمعة: 5].
ومن خصائص الأهداف القرآنية التأثير النفسي، تستمد الأمثال القرآنية عناصرها من الطبيعة الإنسانية والكونية لتظل قريبة من الإنسان أيًّا كان؛ تعيش معه تؤثر فيه.
ومن أمثلة القرآن ما فيه ترغيب وترهيب، فيهدف المثل إلى التأثير في المدعوين عن طريق ترغيبهم في الخير والثواب وترهيبهم من الشر والعقاب؛ لأنهم بذلك ينفعلون وجدانيًّا ويندفعون إلى الإيمان بالدعوة وتطبيق تعاليمها، حيث نجد أن طوائف الناس تجاه الدعوة ثلاث؛ فمنهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم المنافق، هذه الطوائف يضع المثل لها ما يجليها ويبين قيمتها وقيمة عملها، ومن الترغيب والترهيب بالمثل أن أخذ القرآن في وصف الجنة وصفًا شيقًا يبرز محاسنها فيقول تعالى: ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ)) [محمد: 15]، ويقول تعالى: ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)) [الرعد: 35].
وهكذا يبرز المثل الجنة في صورة حسنة جميلة نافعة حيث الأنهار والظلال والثمرة والماء واللبن والخمر والعسل وكله كثير لا يتغير له طعم أو مذاق، كله معد للمتقين الذين يطيعون الله ويخافونه.
- الأمثال في السنة المطهرة كوسيلة من وسائل الدعوة:
فنجد النبي -صلى الله عليه وسلم- استخدم ضرب الأمثال في بيان الحقائق لأصحابه يقرب الأشياء الغريبة والمعنوية بأشياء قريبة أو محسوسة فيقول -عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله؛ كمثل الحي والميت»، كذلك نجد النبي -عليه الصلاة والسلام- يضرب المثل للمؤمن بالنخلة فيقول: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن»
كما تضمن القرآن الكريم كثيرًا من هذه الأمثال التي جاءت مجملة بليغة من أبلغ الحكم قوله -تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) [البقرة: 179]، ((لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ)) [الأنعام: 67]، ((وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)) [النور: 54]، ((كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) [الروم: 32]
* الأسلوب القصصي وأهميته في الدعوة إلى الله
إن المفهوم اللغوي لكلمة "قصة" يدور حول التتبع لأمر ما وبيانه والأخبار به.
أما القصة بالمعنى الاصطلاحي لدى علماء الأدب فهي إخبار بإحدى الحوادث المستمدة من الخيال أو الواقع أو منهما معًا، وتبنى على قواعد معينة من الفن الكتابي، وقد قسم العلماء القصة من حيث الطول والقصر إلى أقسام هي النوادر يقصد بها القصة القصيرة التي اشتد قصرها حيث لا تزيد على بعض صفحات، وتعد في نظر بعض الأدباء أقوى تأثيرًا في توصيل المعلومات من الرواية الكبيرة باعتبارها تركز على فكرة واحدة وتعزلها عن كل شيء، ونفرق بين القصة في القرآن والسنة والقصة في الأدب المعاصر؛ فقصص القرآن والسنة محكوم بهدف التوجيه والتربية وليس التاريخ، والذي قصه هو الله -عز وجل- الذي قال: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)) [يوسف: 3]، أو هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أؤتي جوامع الكلم فكلامه -صلى الله عليه وسلم- قليل في مبناه كثير في معناه.
ونرى أن قصص القرآن والسنة يتحقق فيه مدلول القصة بوجه عام سواء قصرت نصوصه أو طالت بحسب الغرض، فالمهم هو أن يأتي مصورًا لحدث متكامل له بداية ووسط ونهاية.
- أهمية القصة في الدعوة إلى الله -عز وجل:
لقد قدم القرآن الكريم كثيرًا من أخبار وأحوال الأمم السابقة، ووضحت كلمات القرآن الكريم الحكمة من إيراد القصص القرآني وبينت أنه للاعتبار والعظة يقول الله -تعالى: ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) [هود: 120].
والقصص مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين يُرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة، فيزيد عن الحسن الذي تضمنه القصص شيء آخر؛ إذ يثبت للقصة القرآنية قوة التأثير والهداية والإرشاد والإنجاء مع حسن اللفظ ودقة المعنى.
والقصة القرآنية تملك العناصر الفنية؛ فالمكان والزمان والأشخاص والحوادث والحوار كل ذلك واضح فيها، إلا أنها لكونها هادفة تركز مرة على أحد هذه العناصر ومرة أخرى على غيره؛ لأنها تراعي الهدف الذي تدعو إليه.
فمثلًا قصة الإسراء يبرز المكان إبرازًا لشرف الحدث وسموه يقول الله -تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [الإسراء: 1].
وفي قصة أصحاب الكهف أيد الله الفتية بقوته ورحمته وأحاطهم بالعناية وهم في الكهف الذين أووا إليه، وحتى يتضح هذا التأييد وتلك الإحاطة جاء ذكر الزمن الطويل الذي مكثوه فيه يقول الله -تعالى: ((وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)) [الكهف: 25].
ويلاحظ أن الحوار الدائر بين الأشخاص في القصة القرآنية لا يقف عند الظاهر، بل يتعداه إلى حركات الذهن وفكر النفس وما يجول في الخاطر؛ فمثلًا قصة ولدي آدم -عليه السلام- وكان الغرض منها الدعوة إلى الإيمان بالله والتسليم له والخوف منه ومحاربة الأنانية البشرية.
- والقصة تبصر بالمدعوين وتبين حقائق طبعائهم وغرائزهم واتجاهاتهم مستدلة على ذلك بما سبق من البشر؛ ذلك لأن تكرار الظاهرة الواحدة في الأمم كلها وعلى نمط واحد دليل على أن هذه الظاهرة سنة إنسانية مسلمة.
كما ركزت القصة في القرآن الكريم على الغني والفقير أمام الدعوة، وبينت حال الأغنياء والمترفين وكيف عادوا الدعوات السماوية، وأن الفقراء كانوا أكثر الناس إيمانًا بالأنبياء والرسل.
فحديث القرآن على الملأ يأتي في جانب الاستكبار والكفران ((قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الأعراف: 60]، وأشارت القصة أيضًا إلى اهتمام الناس بموروثات الآباء أمام الدعوة مع وضوح الحق كما حدث من قوم نوح حين قالوا: ((لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)) [نوح: 23]، وحين قابل قوم هود نبيهم بقولهم: ((قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [الأعراف: 70].
ونجد أيضًا في قصص القرآن الحديث عن وحدة الكافرين أمام الدعوة؛ فالكفر ملة واحدة، وإن تنوعت صوره وتعددت عقائده، ومن الحقائق التي تكررت في قصص القرآن موقف المعارضين المتحد في الاتجاه وسبب الكفر، إن المعارضين جميعًا كفروا بالدعوة وحصروا كفرهم في صورتين:
الصورة الأولى: معارضتهم لفكرة عبادة الإله الواحد فقط وتمسكهم بعبادة ما اتخذوا من الإلهة.
الصورة الثانية: تكذيبهم للرسل في دعوى الرسالة بحجة أن للرسالة شروطها التي لا تتوفر في بشر منهم يبعث فيهم وحده.
الحوار في القصص القرآني نرى الحكمة الدقيقة والتوجيه الموجز والبرهان البين، وبذلك تتضمن القصة القرآنية ملامح الأساليب كلها.
- والقصة تناسب طاقة البشر؛ لأنها رواية عن أخبار البشر، وقد اختارها الله بدقة وقص منها على الخصوص ما هو هادف ومؤثر.
خاتمة الدرسبهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس العاشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الحادي عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (القصة وأهميتها).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس العاشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة وسائل الدعوة وأساليبهاMeans and Methods of Da‘wah لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: شرح الفواصل الموجودة في سُور: الأمثال في القرآن، والأسلوب القصصي وأهميته في الدعوة إلى الله
فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية
عند نهاية هذا الدَّرس يتاح لك بإذن الله أن:
- الأمثال في القرآن الكريم كوسيلة من وسائل الدعوة.
- فنية المثل في إبلاغ الدعوة.
- الأسلوب القصصي وأهميته في الدعوة إلى الله.
عناصر الدرس
- الأمثال في القرآن الكريم كوسيلة من وسائل الدعوة.
- فنية المثل في إبلاغ الدعوة.
- الأسلوب القصصي وأهميته في الدعوة إلى الله.
ملخص الدرسالأمثال في القرآن الكريم كوسيلة من وسائل الدعوة:
ساق القرآن الكريم أمثاله لتكون أحد أساليبه في إبلاغ الدعوة؛ ولذلك نراها تشتمل على الخصائص التالية:
أولًا: لا تترك الداعية وحده أمام معارضيه المعاندين، بل تمده بسلاح الصبر والتحمل وتعرفه أن الابتلاء ليس مقصورًا عليه وحده، يقول الله -تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)) [البقرة: 214].
ثانيًا: تبصر بالدعوة وتوضح أساسياتها وتعطي الداعية مبادئها لكي يعمل على هدي بها، وأول هذه الأساسيات معرفة الله -تعالى- والإيمان به عن اقتناع كامل ويقين دقيق، هذا المثل يذكره الله في قوله -تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) [الحج: 73]
ومع وضوح الأدلة نجد أقوامًا يعيشون النعم ويسمونها ثم يهملون الإيمان بالله.
ثالثًا: تبصر بالمدعوين وتعرف بهم وبالدنيا التي يعيشونها؛ وذلك لكي تساهم مع بقية الأساليب في تبصير الداعية بالجو العام الذي يدعو فيه؛ ومن هذه المساهمة توضيحه لما يلي:
الجدل طبيعة إنسانية فالإنسان جدلي بطبعه وذلك في قوله: ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)) [الكهف: 54]، وهكذا جادل الإنسان رغم كثرة الآيات وشمولها ووضوحها وملاءمتها للطبيعة البشرية.
رابعًا: الموعظة الحسنة؛ لأنها تثير الانفعال وتخاطب الوجدان وتصور المعقول.
يقول الإمام السيوطي نقلًا عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرًا ووعظًا، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب أو على إحباط عمل أو على مدح أو نحوه فإنه يدل على الإحكام، وهكذا يشتمل المثل على التذكير والوعظ ونتيجة العمل والمدح والذم مما يجعله موعظة حسنة.
ويأتي المثل على قدر الطاقة البشرية من أجل أن يستنزل المعاني الصعبة ويجعلها في متناول العقل الإنساني، وذلك في بيان معجز وترتيب عجيب
* فنية المثل في إبلاغ الدعوة.
جاء المثل في القرآن الكريم ليقوم بدوره كما أراد الله له كأحد أساليب الدعوة؛ لذلك اشتمل على عدد من الخصائص ومنها ما يلي:
الدقة والواقعية: فالناظر في المثل القرآني يلحظ دقته الفريدة المؤثرة، فهو دائمًا لا يمثل بالغريب، وإنما يتخير من المحسوسات الموجودة ويجليها بأوصافها ويضعها في المثال شاهدة واضحة على ما يريد ذكره وبيانه، ومن ذلك قول الله -تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [العنكبوت: 41]، ومن علامة الدقة في الأمثلة القرآنية أنه حينما يضرب المثل بصورة غير موجودة بالفعل تجده يأتي بها صورة يمكن أن توجد حقيقة؛ وذلك كقوله -تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)) [الجمعة: 5].
ومن خصائص الأهداف القرآنية التأثير النفسي، تستمد الأمثال القرآنية عناصرها من الطبيعة الإنسانية والكونية لتظل قريبة من الإنسان أيًّا كان؛ تعيش معه تؤثر فيه.
ومن أمثلة القرآن ما فيه ترغيب وترهيب، فيهدف المثل إلى التأثير في المدعوين عن طريق ترغيبهم في الخير والثواب وترهيبهم من الشر والعقاب؛ لأنهم بذلك ينفعلون وجدانيًّا ويندفعون إلى الإيمان بالدعوة وتطبيق تعاليمها، حيث نجد أن طوائف الناس تجاه الدعوة ثلاث؛ فمنهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم المنافق، هذه الطوائف يضع المثل لها ما يجليها ويبين قيمتها وقيمة عملها، ومن الترغيب والترهيب بالمثل أن أخذ القرآن في وصف الجنة وصفًا شيقًا يبرز محاسنها فيقول تعالى: ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ)) [محمد: 15]، ويقول تعالى: ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)) [الرعد: 35].
وهكذا يبرز المثل الجنة في صورة حسنة جميلة نافعة حيث الأنهار والظلال والثمرة والماء واللبن والخمر والعسل وكله كثير لا يتغير له طعم أو مذاق، كله معد للمتقين الذين يطيعون الله ويخافونه.
- الأمثال في السنة المطهرة كوسيلة من وسائل الدعوة:
فنجد النبي -صلى الله عليه وسلم- استخدم ضرب الأمثال في بيان الحقائق لأصحابه يقرب الأشياء الغريبة والمعنوية بأشياء قريبة أو محسوسة فيقول -عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله؛ كمثل الحي والميت»، كذلك نجد النبي -عليه الصلاة والسلام- يضرب المثل للمؤمن بالنخلة فيقول: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن»
كما تضمن القرآن الكريم كثيرًا من هذه الأمثال التي جاءت مجملة بليغة من أبلغ الحكم قوله -تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) [البقرة: 179]، ((لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ)) [الأنعام: 67]، ((وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)) [النور: 54]، ((كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) [الروم: 32]
* الأسلوب القصصي وأهميته في الدعوة إلى الله
إن المفهوم اللغوي لكلمة "قصة" يدور حول التتبع لأمر ما وبيانه والأخبار به.
أما القصة بالمعنى الاصطلاحي لدى علماء الأدب فهي إخبار بإحدى الحوادث المستمدة من الخيال أو الواقع أو منهما معًا، وتبنى على قواعد معينة من الفن الكتابي، وقد قسم العلماء القصة من حيث الطول والقصر إلى أقسام هي النوادر يقصد بها القصة القصيرة التي اشتد قصرها حيث لا تزيد على بعض صفحات، وتعد في نظر بعض الأدباء أقوى تأثيرًا في توصيل المعلومات من الرواية الكبيرة باعتبارها تركز على فكرة واحدة وتعزلها عن كل شيء، ونفرق بين القصة في القرآن والسنة والقصة في الأدب المعاصر؛ فقصص القرآن والسنة محكوم بهدف التوجيه والتربية وليس التاريخ، والذي قصه هو الله -عز وجل- الذي قال: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)) [يوسف: 3]، أو هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أؤتي جوامع الكلم فكلامه -صلى الله عليه وسلم- قليل في مبناه كثير في معناه.
ونرى أن قصص القرآن والسنة يتحقق فيه مدلول القصة بوجه عام سواء قصرت نصوصه أو طالت بحسب الغرض، فالمهم هو أن يأتي مصورًا لحدث متكامل له بداية ووسط ونهاية.
- أهمية القصة في الدعوة إلى الله -عز وجل:
لقد قدم القرآن الكريم كثيرًا من أخبار وأحوال الأمم السابقة، ووضحت كلمات القرآن الكريم الحكمة من إيراد القصص القرآني وبينت أنه للاعتبار والعظة يقول الله -تعالى: ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) [هود: 120].
والقصص مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين يُرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة، فيزيد عن الحسن الذي تضمنه القصص شيء آخر؛ إذ يثبت للقصة القرآنية قوة التأثير والهداية والإرشاد والإنجاء مع حسن اللفظ ودقة المعنى.
والقصة القرآنية تملك العناصر الفنية؛ فالمكان والزمان والأشخاص والحوادث والحوار كل ذلك واضح فيها، إلا أنها لكونها هادفة تركز مرة على أحد هذه العناصر ومرة أخرى على غيره؛ لأنها تراعي الهدف الذي تدعو إليه.
فمثلًا قصة الإسراء يبرز المكان إبرازًا لشرف الحدث وسموه يقول الله -تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [الإسراء: 1].
وفي قصة أصحاب الكهف أيد الله الفتية بقوته ورحمته وأحاطهم بالعناية وهم في الكهف الذين أووا إليه، وحتى يتضح هذا التأييد وتلك الإحاطة جاء ذكر الزمن الطويل الذي مكثوه فيه يقول الله -تعالى: ((وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)) [الكهف: 25].
ويلاحظ أن الحوار الدائر بين الأشخاص في القصة القرآنية لا يقف عند الظاهر، بل يتعداه إلى حركات الذهن وفكر النفس وما يجول في الخاطر؛ فمثلًا قصة ولدي آدم -عليه السلام- وكان الغرض منها الدعوة إلى الإيمان بالله والتسليم له والخوف منه ومحاربة الأنانية البشرية.
- والقصة تبصر بالمدعوين وتبين حقائق طبعائهم وغرائزهم واتجاهاتهم مستدلة على ذلك بما سبق من البشر؛ ذلك لأن تكرار الظاهرة الواحدة في الأمم كلها وعلى نمط واحد دليل على أن هذه الظاهرة سنة إنسانية مسلمة.
كما ركزت القصة في القرآن الكريم على الغني والفقير أمام الدعوة، وبينت حال الأغنياء والمترفين وكيف عادوا الدعوات السماوية، وأن الفقراء كانوا أكثر الناس إيمانًا بالأنبياء والرسل.
فحديث القرآن على الملأ يأتي في جانب الاستكبار والكفران ((قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الأعراف: 60]، وأشارت القصة أيضًا إلى اهتمام الناس بموروثات الآباء أمام الدعوة مع وضوح الحق كما حدث من قوم نوح حين قالوا: ((لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)) [نوح: 23]، وحين قابل قوم هود نبيهم بقولهم: ((قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [الأعراف: 70].
ونجد أيضًا في قصص القرآن الحديث عن وحدة الكافرين أمام الدعوة؛ فالكفر ملة واحدة، وإن تنوعت صوره وتعددت عقائده، ومن الحقائق التي تكررت في قصص القرآن موقف المعارضين المتحد في الاتجاه وسبب الكفر، إن المعارضين جميعًا كفروا بالدعوة وحصروا كفرهم في صورتين:
الصورة الأولى: معارضتهم لفكرة عبادة الإله الواحد فقط وتمسكهم بعبادة ما اتخذوا من الإلهة.
الصورة الثانية: تكذيبهم للرسل في دعوى الرسالة بحجة أن للرسالة شروطها التي لا تتوفر في بشر منهم يبعث فيهم وحده.
الحوار في القصص القرآني نرى الحكمة الدقيقة والتوجيه الموجز والبرهان البين، وبذلك تتضمن القصة القرآنية ملامح الأساليب كلها.
- والقصة تناسب طاقة البشر؛ لأنها رواية عن أخبار البشر، وقد اختارها الله بدقة وقص منها على الخصوص ما هو هادف ومؤثر.
خاتمة الدرسبهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس العاشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الحادي عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (القصة وأهميتها).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق