الدرس8:
المدخلالحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الثامن من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة وسائل الدعوة وأساليبهاMeans and Methods of Da‘wah لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: شرح الفواصل الموجودة في سُور: الجدل وأنواعه، وأهميته للداعية.فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
عناصر الدرس
ملخص الدرس
المجادلة بالتي هي أحسن.
قال ابن منظور في كتابه (لسان العرب): "الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدل ينقسم إلى قسمين: قسم حسن طيب، وقسم خبيث سيئ، فأما الجدل الحسن الطيب فقد أمر القرآن به، وحض أهل الإيمان عليه، ورغب الدعاة فيه؛ لأنه يظهر الحق وينصره، ويوضح الباطل ويخزله، وإظهار الحق واجب، وكذلك إبطال الباطل واجب؛ كما قال علماء الأصول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
فالدعوة إلى الله تعالى لها مراحل وأطوار، والجدل مرحلة من هذه المراحل فهو أصل من أصولها، وقاعدة من قواعدها، وأسلوب من أساليبها، لا بد للداعي من أن يكون متقنًا لها، ملمًا بها، عالمًا بأحوالها، حتى يتمكن من إبلاغ دعوته على الوجه الأكمل، فإن الداعية ما هو إلا مذكر ليس على المدعوين بمسيطر، بيد أن عليه البلاغ وعلى الله تعالى الحساب، وها هو ذا نبي الله وخليله إبراهيم -عليه السلام- يعرض علينا القرآن الكريم حكايته، حينما جادل الملائكة المقربين في قوم لوط -عليه السلام- قال تعالى: ((فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)) [هود: 74]، روى ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة أنه: لما ذهب عن إبراهيم الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أتهلكون قرية فيها مائة مؤمن؟، قالوا: لا، حتى بلغ خمسة، قالوا: لا، قال: رأيتكم إن كان فيها رجل واحد أتهلكونها؟، قالوا: لا، فقال إبراهيم عند ذلك: ((إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)) [العنكبوت: 32]، فسكت عنهم واطمأنت نفسه.
وليس هذا الجدال الذي وقع من الخليل الكبير المتعال، جدلًا عقيمًا إنما هو جدل حميد.
* الجدل الذي نهى الإسلام عنه:
وأما الجدل الخبيث السيئ، فهو الجدل الذي نهى الإسلام عنه، وحذر الإسلام منه؛ لأنه مدخل من مداخل الشيطان، التي بها يستطيع غواية وإضلال الإنسان، فقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد لنا أنه وحي من الشيطان، قال الله: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام: 121]، فالجدل العقيم إنما هو وحي من وحي الشياطين، يوحي به بعضهم إلى بعض، حتى يضلوا الناس عن صراط ربهم المستقيم، قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)) [الحج: 3، 4]، وهذه الآية الكريمة غاية في الإيضاح والبيان لأحوال الحمقى والمغفلين من أتباع وأشياع الشيطان الذين يأتمرون بأمره، ويسيرون خلفه، وينفذون خطته، ويعرض علينا القرآن الكريم صورة من صور هؤلاء المجادلين الذين يتبعون الهوى ووحي الشياطين، قال تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) [الأنعام: 25]، تعرض علينا الآية الكريمة حال الكفرة والمشركين الذين كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا منه القرآن الكريم، لا من أجل أن يؤمنوا، ولا من أجل أن يسلموا، وإنما من أجل أن يلغوا فيه ويشككوا، بالرغم من علمهم اليقيني بأن هذا الكلام كلام الله تعالى، وأن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لم يأت به من عند نفسه؛ لأنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، فكيف يأتي بهذا القرآن العربي الذي لا عوج فيه.
وروي أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان رجلًا بكاءً عند سماع القرآن أو تلاوته، وأن كبار قومه من المشركين خافوا على نسائهم وأولادهم منه، فإنه كان يجهر بالقرآن عند الكعبة، حتى إن النساء والصبيان كانوا يجتمعون حوله، يسمعون القرآن منه ويتأثرون به، فمنعوه من الجهر بالقراءة حتى لا يفتن به النساء والصبيان.
هكذا يكون الجدل سببًا في عمى بصر الإنسان وبصيرته، حتى إنه ليستعجل عقوبة ربه، وإنه ليعتبر الحق باطلًا، والباطل حقًّا، فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويتخذ آيات الله تعالى هزوًا وسخرية، هكذا يحكم القرآن على أهل الجدل والكفر والطغيان والمماراة في القرآن بأن بينهم وبين الهدى أمدًا بعيدا وبونًا شاسعا، إذ إنهم لم ينتفعوا بجوراحهم وحواسهم، فقد عطلوا السمع والأبصار والأفئدة، فها هو ذا نبي الله ورسوله هود -عليه السلام- جاء إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن عبادة الأصنام، فرفضوا تلك الدعوة، واتهموه بالسفاهة وأنه غير صادق فيما يقول من كلام ، فبين لهم -عليه السلام- أنه ليس بسفيه، ولكنه رسول اصطفاه عليهم وأرسله إليهم من لا تأخذه سنة ولا ينام، فأكد لهم هود -عليه السلام- أن قضيتهم خاسرة، إذ استحبوا العمى عن الهدى، والعاجلة على الآخرة، وجادلوا بالباطل في أسماء سموها هم وآباؤهم، ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، ويجيء من بعده نبي الله ورسوله صالح -عليه السلام- الذي أرسله الله تعالى إلى قوم، كانوا يعبدون الأصنام، ليدعوهم لعبادة ربهم، وينهاهم عن عبادة أصنامهم، وقف الملأ الذين كفروا من قومه يجادلونه ويقولون له: ((قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)) [هود: 62]، فبين لهم -عليه السلام- أنهم في شكهم مخطئون، وأنهم بعبادة الأصنام كافرون، وأنه جاءهم بالبينات التي على مثلها يؤمن العاقلون، ومع هذا كله لم يؤمنوا ولم يتوبوا، بل لجئوا إلى الضعاف منهم الذين آمنوا بصالح -عليه السلام- قائلين لهم: أتعلمون أن صالح مرسل من ربه؟، فأجابهم هؤلاء الكرام: المؤمنون بأن صالح -عليه السلام- مرسل من عند رب العالمين، وأنهم بما جاءهم به مؤمنون، فأنكرت قلوبهم وضاقت صدورهم وعبست وجوههم، وقالوا منكرًا من القول وزورا، وهكذا تكون نهاية المجادلين الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق وهم يعلمون، ولهذا وذاك نهى الإسلام عن الجدل العقيم الذي لا خير فيه ولا طائل تحته ولا منفعة من ورائه، ولكن الغرض مرض، والجنون فنون.
* أهمية المجادلة بالتي هي أحسن للداعية.
فالمجادلة بالتي هي أحسن: هي الطريقة التي يواجه بها الداعية رد الفعل، الذي تثيره الدعوة لدى المخاطبين، نتيجة اختلاف أفكارهم، عما جاءتهم به من عقيدة وسلوك وغير ذلك، والداعية يبذل جهده لتحرير العقول من الرواسب التي ورثت عن الآباء والأجداد، ولا شك أن الداعية إذا التزم بالمسلك الذي أرشده إليه القرآن، اجتمعت حوله القلوب وأذهب الموجدة من النفوس، يقول تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) [فصلت: 33-35]، وحتى إذا ما أعرض القوم عن الدعوة والداعية، فإنه يجتهد وسعه في دفع الحزن عن نفسه حتى لا يضيق، فيخرج عن التي هي أحسن، وأن يعلم أن الله حافظه وهو صاحب الدعوة، وأن الهدى والضلال بيده وحده.
والمجادلة قد تكون مع أهل الذمة والهدنة والأمان، ومن لا يجوز قتاله بالسيف، وقد تكون في ابتداء الدعوة، وقد تكون لبيان الحق وشفاء القلوب من الشبه، والدعوة إلى الحق لم تكن في يوم من الأيام خالية من المشقات والمتاعب، غير أن العزيمة الصادقة والإرادة القوية كفيلة بالتغلب على كل المصاعب وبعث الأمل ودفع اليأس.
والداعية إلى الله محتاج إلى السلاح الفكري، والموضوعية في مجادلته بالتي هي أحسن، وليس من مصلحته ولا مصلحة دعوته في شيء، مواجهة التحدي بالعواطف الفارغة، والخطب الرنانة الخالية من المحتوى والمضمون الفكري العميق، وتظل المجادلة بالتي هي أحسن المنهج المتبع والأسلوب المأخوذ به إلى أن يقع اعتداء على الدعاة، هذا والمجادلة بالتي هي أحسن، تقتضي تحديد الموضوع الذي يدور حوله الجدل، والتزام التهذيب في القول وكظم الغيظ والحلم والرأفة، بمن أدخل نفسه في غمار الأشرار، والتشمير في تخليصه مع عدم الشماتة فيه، ومهما غالى الخصوم، فإن الدعاة إلى الحق لا يخرجون عن التي هي أحسن، ولا يشعرون بغربة ولا هوان.
والمجادلة بالتي هي أحسن اقتضت من الدعاة إلى الله عز وجل، التزام الدقة في العرض والصواب في الرأي.
ولا شك أن التركيز من أول وهلة على نقط الخلاف، يوجد جوا مشحونا بالحقد والبغضاء، ويوحي بالفوارق والفواصل، ويولد التعصب والعناد والشك والحذر.
كما ينبغي أن يميز الداعية بين ما هو بحث علمي وبين ما هو جدل ومراء مذموم، أما التنازع في أحكام القرآن ومعانيه، فقد تنازع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من ذلك، وهذا يبين لك أن المراء الذي هو كفر، هو الجحود والشك، كما قال عز وجل: ((وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ)) [الحج: 55].
ونهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناءه في صفاته وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول، للحاجة إلى ذلك وليس الاعتقادات كذلك.
ونلاحظ أن القران الكريم يأمر بالجدل في قوله تعالى
(وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: 125]، وفي قوله سبحانه وتعالى: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [العنكبوت: 46]، ومن هنا نرى صاحب (المصباح) يذكر صوابا، ويخرج كلمة "جادل" عن أصلها الأول إلى التوسع في استعمالها، فيقول: "جادل مجادلة وجدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب"، هذا أصله، ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها وهو محمود، إن كان للوقوف على الحق وإلا فمذموم.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الثامن، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس التاسع، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (أهمية الجدل في الدعوة، وأنواعه، وضرب الأمثلة في القرآن والسنة).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الثامن من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة وسائل الدعوة وأساليبهاMeans and Methods of Da‘wah لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: شرح الفواصل الموجودة في سُور: الجدل وأنواعه، وأهميته للداعية.فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
- تتعرف على المجادلة بالتي هي أحسن.
- تتعرف على الجدل الذي نهى الإسلام عنه.
- تتعرف على أهمية المجادلة بالتي هي أحسن للداعية.
عناصر الدرس
- المجادلة بالتي هي أحسن.
- الجدل الذي نهى الإسلام عنه.
- أهمية المجادلة بالتي هي أحسن للداعية.
ملخص الدرس
المجادلة بالتي هي أحسن.
قال ابن منظور في كتابه (لسان العرب): "الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدل ينقسم إلى قسمين: قسم حسن طيب، وقسم خبيث سيئ، فأما الجدل الحسن الطيب فقد أمر القرآن به، وحض أهل الإيمان عليه، ورغب الدعاة فيه؛ لأنه يظهر الحق وينصره، ويوضح الباطل ويخزله، وإظهار الحق واجب، وكذلك إبطال الباطل واجب؛ كما قال علماء الأصول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
فالدعوة إلى الله تعالى لها مراحل وأطوار، والجدل مرحلة من هذه المراحل فهو أصل من أصولها، وقاعدة من قواعدها، وأسلوب من أساليبها، لا بد للداعي من أن يكون متقنًا لها، ملمًا بها، عالمًا بأحوالها، حتى يتمكن من إبلاغ دعوته على الوجه الأكمل، فإن الداعية ما هو إلا مذكر ليس على المدعوين بمسيطر، بيد أن عليه البلاغ وعلى الله تعالى الحساب، وها هو ذا نبي الله وخليله إبراهيم -عليه السلام- يعرض علينا القرآن الكريم حكايته، حينما جادل الملائكة المقربين في قوم لوط -عليه السلام- قال تعالى: ((فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)) [هود: 74]، روى ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة أنه: لما ذهب عن إبراهيم الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أتهلكون قرية فيها مائة مؤمن؟، قالوا: لا، حتى بلغ خمسة، قالوا: لا، قال: رأيتكم إن كان فيها رجل واحد أتهلكونها؟، قالوا: لا، فقال إبراهيم عند ذلك: ((إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)) [العنكبوت: 32]، فسكت عنهم واطمأنت نفسه.
وليس هذا الجدال الذي وقع من الخليل الكبير المتعال، جدلًا عقيمًا إنما هو جدل حميد.
* الجدل الذي نهى الإسلام عنه:
وأما الجدل الخبيث السيئ، فهو الجدل الذي نهى الإسلام عنه، وحذر الإسلام منه؛ لأنه مدخل من مداخل الشيطان، التي بها يستطيع غواية وإضلال الإنسان، فقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد لنا أنه وحي من الشيطان، قال الله: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام: 121]، فالجدل العقيم إنما هو وحي من وحي الشياطين، يوحي به بعضهم إلى بعض، حتى يضلوا الناس عن صراط ربهم المستقيم، قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)) [الحج: 3، 4]، وهذه الآية الكريمة غاية في الإيضاح والبيان لأحوال الحمقى والمغفلين من أتباع وأشياع الشيطان الذين يأتمرون بأمره، ويسيرون خلفه، وينفذون خطته، ويعرض علينا القرآن الكريم صورة من صور هؤلاء المجادلين الذين يتبعون الهوى ووحي الشياطين، قال تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) [الأنعام: 25]، تعرض علينا الآية الكريمة حال الكفرة والمشركين الذين كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا منه القرآن الكريم، لا من أجل أن يؤمنوا، ولا من أجل أن يسلموا، وإنما من أجل أن يلغوا فيه ويشككوا، بالرغم من علمهم اليقيني بأن هذا الكلام كلام الله تعالى، وأن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لم يأت به من عند نفسه؛ لأنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، فكيف يأتي بهذا القرآن العربي الذي لا عوج فيه.
وروي أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان رجلًا بكاءً عند سماع القرآن أو تلاوته، وأن كبار قومه من المشركين خافوا على نسائهم وأولادهم منه، فإنه كان يجهر بالقرآن عند الكعبة، حتى إن النساء والصبيان كانوا يجتمعون حوله، يسمعون القرآن منه ويتأثرون به، فمنعوه من الجهر بالقراءة حتى لا يفتن به النساء والصبيان.
هكذا يكون الجدل سببًا في عمى بصر الإنسان وبصيرته، حتى إنه ليستعجل عقوبة ربه، وإنه ليعتبر الحق باطلًا، والباطل حقًّا، فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويتخذ آيات الله تعالى هزوًا وسخرية، هكذا يحكم القرآن على أهل الجدل والكفر والطغيان والمماراة في القرآن بأن بينهم وبين الهدى أمدًا بعيدا وبونًا شاسعا، إذ إنهم لم ينتفعوا بجوراحهم وحواسهم، فقد عطلوا السمع والأبصار والأفئدة، فها هو ذا نبي الله ورسوله هود -عليه السلام- جاء إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن عبادة الأصنام، فرفضوا تلك الدعوة، واتهموه بالسفاهة وأنه غير صادق فيما يقول من كلام ، فبين لهم -عليه السلام- أنه ليس بسفيه، ولكنه رسول اصطفاه عليهم وأرسله إليهم من لا تأخذه سنة ولا ينام، فأكد لهم هود -عليه السلام- أن قضيتهم خاسرة، إذ استحبوا العمى عن الهدى، والعاجلة على الآخرة، وجادلوا بالباطل في أسماء سموها هم وآباؤهم، ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، ويجيء من بعده نبي الله ورسوله صالح -عليه السلام- الذي أرسله الله تعالى إلى قوم، كانوا يعبدون الأصنام، ليدعوهم لعبادة ربهم، وينهاهم عن عبادة أصنامهم، وقف الملأ الذين كفروا من قومه يجادلونه ويقولون له: ((قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)) [هود: 62]، فبين لهم -عليه السلام- أنهم في شكهم مخطئون، وأنهم بعبادة الأصنام كافرون، وأنه جاءهم بالبينات التي على مثلها يؤمن العاقلون، ومع هذا كله لم يؤمنوا ولم يتوبوا، بل لجئوا إلى الضعاف منهم الذين آمنوا بصالح -عليه السلام- قائلين لهم: أتعلمون أن صالح مرسل من ربه؟، فأجابهم هؤلاء الكرام: المؤمنون بأن صالح -عليه السلام- مرسل من عند رب العالمين، وأنهم بما جاءهم به مؤمنون، فأنكرت قلوبهم وضاقت صدورهم وعبست وجوههم، وقالوا منكرًا من القول وزورا، وهكذا تكون نهاية المجادلين الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق وهم يعلمون، ولهذا وذاك نهى الإسلام عن الجدل العقيم الذي لا خير فيه ولا طائل تحته ولا منفعة من ورائه، ولكن الغرض مرض، والجنون فنون.
* أهمية المجادلة بالتي هي أحسن للداعية.
فالمجادلة بالتي هي أحسن: هي الطريقة التي يواجه بها الداعية رد الفعل، الذي تثيره الدعوة لدى المخاطبين، نتيجة اختلاف أفكارهم، عما جاءتهم به من عقيدة وسلوك وغير ذلك، والداعية يبذل جهده لتحرير العقول من الرواسب التي ورثت عن الآباء والأجداد، ولا شك أن الداعية إذا التزم بالمسلك الذي أرشده إليه القرآن، اجتمعت حوله القلوب وأذهب الموجدة من النفوس، يقول تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) [فصلت: 33-35]، وحتى إذا ما أعرض القوم عن الدعوة والداعية، فإنه يجتهد وسعه في دفع الحزن عن نفسه حتى لا يضيق، فيخرج عن التي هي أحسن، وأن يعلم أن الله حافظه وهو صاحب الدعوة، وأن الهدى والضلال بيده وحده.
والمجادلة قد تكون مع أهل الذمة والهدنة والأمان، ومن لا يجوز قتاله بالسيف، وقد تكون في ابتداء الدعوة، وقد تكون لبيان الحق وشفاء القلوب من الشبه، والدعوة إلى الحق لم تكن في يوم من الأيام خالية من المشقات والمتاعب، غير أن العزيمة الصادقة والإرادة القوية كفيلة بالتغلب على كل المصاعب وبعث الأمل ودفع اليأس.
والداعية إلى الله محتاج إلى السلاح الفكري، والموضوعية في مجادلته بالتي هي أحسن، وليس من مصلحته ولا مصلحة دعوته في شيء، مواجهة التحدي بالعواطف الفارغة، والخطب الرنانة الخالية من المحتوى والمضمون الفكري العميق، وتظل المجادلة بالتي هي أحسن المنهج المتبع والأسلوب المأخوذ به إلى أن يقع اعتداء على الدعاة، هذا والمجادلة بالتي هي أحسن، تقتضي تحديد الموضوع الذي يدور حوله الجدل، والتزام التهذيب في القول وكظم الغيظ والحلم والرأفة، بمن أدخل نفسه في غمار الأشرار، والتشمير في تخليصه مع عدم الشماتة فيه، ومهما غالى الخصوم، فإن الدعاة إلى الحق لا يخرجون عن التي هي أحسن، ولا يشعرون بغربة ولا هوان.
والمجادلة بالتي هي أحسن اقتضت من الدعاة إلى الله عز وجل، التزام الدقة في العرض والصواب في الرأي.
ولا شك أن التركيز من أول وهلة على نقط الخلاف، يوجد جوا مشحونا بالحقد والبغضاء، ويوحي بالفوارق والفواصل، ويولد التعصب والعناد والشك والحذر.
كما ينبغي أن يميز الداعية بين ما هو بحث علمي وبين ما هو جدل ومراء مذموم، أما التنازع في أحكام القرآن ومعانيه، فقد تنازع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من ذلك، وهذا يبين لك أن المراء الذي هو كفر، هو الجحود والشك، كما قال عز وجل: ((وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ)) [الحج: 55].
ونهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناءه في صفاته وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول، للحاجة إلى ذلك وليس الاعتقادات كذلك.
ونلاحظ أن القران الكريم يأمر بالجدل في قوله تعالى
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الثامن، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس التاسع، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (أهمية الجدل في الدعوة، وأنواعه، وضرب الأمثلة في القرآن والسنة).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق