الدرس4 :
المدخلالحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الرابع من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة Hisbah الحسبة لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: المحتسب (2).
فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
عناصر الدرس
ملخص الدرس
أن المحتسبين مهما كثر عددهم، فإنهم لا يغطون تلك الاختصاصات والمسئوليات الواسعة التي ينبغي، بل يجب أن يغطيها عمل المحتسب.
أن الاحتساب شامل لوظائف الدين والحياة كلها. وقد كان اتخاذ الأعوان والمساعدين في السابق أكثر منه في الحاضر، وإن كان لا زال المحتسب يستفيد من تعاون وخدمات أولئك الأعوان.
كان جهاز الحسبة في الماضي يتكون من شخصية المحتسب، ومن يتخذه لمساعدته من الأعوان والعيون، وأمناء الحرف، وعرفاء في شئون المهن والصناعات، وقد استدعت الشمولية في عمل المحتسب أن يعزز إدارته بالنواب.
جاز للمحتسب أن يجعل لأهل كل صنعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم وتدليساتهم، مشهورًا بالثقة والأمانة.
من مسئوليات العريف تنبيه أهل حرفته إلى الأخطاء، وتحذيرهم من الوقوع فيها في السر والعلن، وإذا اتضح للعريف أن هناك من يغش في صناعته رفعه إلى المحتسب.
وقد كان العريف في الغالب وخصوصًا في الماضي يأخذ أجره من أهل الأصناف؛ باعتبار ما يقوم به من واجب رعايتهم.
ومن الأعوان الذين كانوا يتخذهم المحتسب في الماضي الغلمان، وهم بمثابة العيون، يلاحقون المخالفين مما يجعل أهل السوق أكثر خوفًا ورهبة منه، فلا يغشون.
ومن الصفات التي يجب توفرها في أولئك الأعوان من الغلمان: العفة، والشهامة، وبعد الهمة
وكان من أعوان المحتسب ونوابه على الحدود والموانئ وسواحل البحر، وفي الأماكن التي ترد إليها الغلة؛ ليعلموه بما يرد من الغلال والبضائع.
وتعتبر الشرطة أقوى وأظهر معينا للمحتسب خاصة هذه الأيام بعد الله عز وجل.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو في أساسه دعوة إلى الإصلاح والتقويم، وإلزام الناس ذلك بالتي هي أحسن، وليس دعوة إلى العنف، وتعسف الناس، وظلمهم.
فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو يقوم بهذا الإصلاح يعتبر مربيًا، ومن مستلزمات التربية: التأديب في مواقف محددة يحتاج إلى بعض الوازع السلطاني؛ ليكون رادعًا في قضايا يأبى فيها صنف ممن اجتالتهم الشياطين، والمعاملة الحسنة. فهؤلاء لا بد من أطرهم على الحق أطرًا.
ومن صلاحيات الحسبة ما يعرف في الفقه الإسلامي بحق التعزير، وهذه السلطة أو الصلاحية ليست إلا لوالي الحسبة ومساعديه.
من أنواع التعزير التي يستخدمها المحتسب:
أولًا: الاستدعاء والتهديد
ثانيًا: التوبيخ والتبكيت
ثالثًا: الهجر
رابعًا: التشهير
خامسًا: الغرامة المالية
سادسًا: الصلب بشرط: ألا تزيد عن ثلاثة أيام، ولا يمنع فيها عن الطعام ولا الشراب، ولا يمنع من وضوء الصلاة.
سابعا: التعزير بالحبس والنفي.
ثامنا: النفي.
تاسعا: الضرب.
أما الصلاحيات التعزيرية التي يمارسها المحتسب في الحاضر: فإن ما يمارسه المحتسب اليوم من الصلاحيات التعزيرية لا يخرج في مجمله عما كان يمارسه المحتسب في الماضي مع بعض التحديد والتنظيم، فقد صدرت أنظمة تحدد الأطر العامة لعمل المحتسب، ومن ذلك صلاحيات ممنوحة له فيما يتعلق بالتعزير.
عدد المحتسب ووسائله في تغيير المنكر:
كان المحتسب في الماضي يستعمل السوط والدرة في إيقاع العقوبات على المخالفين، وكانت هذه العدد رادعة لمن تسول له نفسه الأمارة بالسوء في أن يغش، أو يدلس، أو يقوم بالإَضرار بالصالح العام.
وكان المحتسب يستخدم الطرطور بوضعه على رأس المخالف؛ للتشهير، فيكون رادعًا له عن العودة إلى نفس المخالفة مرة أخرى.
سجل خاص يدون فيه قوائم بأسماء الصناع والتجار، وكان يضع علامة إزاء اسم كل منهم، وموقع محله؛ ليتمكن من الوصول إليه بسرعة عند الحاجة إلى ذلك.
كما أنه كان للمحتسب دواب من الخيل، والبغال يتنقل عليها من مقره إلى مواقع الذين يريد أن يحتسب عليهم عندما يبلغه ما يوجب ذلك، وكان له خاتم يختم به، وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يتذكر به الشيء.
ومن أدوات المحتسب كذلك: دار العيار، يوجد بها موازين وأثقال ومكاييل يعين على أساسها ما عند التجار في السوق.
وأما محتسب في عصرنا هذا فكثيرة من وسائل مواصلات، واتصالات، وآلات مكتبية، وغير مكتبية، فهو يستطيع أن يسخر لعمله كثيرًا من التقنيات الصناعية المعاصرة، ولا زال يوجد لديه من عدد الماضي السوط.
المحتسب قد يقوم بنفسه، أو بواسطة أعوانه بتغيير المنكر، أو إقامة المعروف بالقوة، وهذا ما يمكن أن نسميه: مرحلة التغيير باليد، حسب درجات تغيير المنكر الواردة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه».
وهناك عدة وسائل لإبلاغه إلى أكبر عدد ممكن من الناس منها: المحاضرات، والخطب، والندوات، وإصدار الكتيبات والنشرات.
يواصل المحتسب إنجاز مهمته بشأن تغيير المنكر الذي عجز عنه، وذلك بإحالة الأمر إلى جهات قضائية أخرى، فيقيم المحتسب دعوى تسمى في لغة الفقهاء والأصوليين: دعوى الحسبة، وهذا لا يعني إلغاء دور المحتسب القضائي، ولكنه دور مقصور على ما ليس من اختصاص ولاية القضاء.
أن الحقوق في الإسلام التي ترفع الدعوى من أجلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولها: حق الله الخالص.
ثانيها: حق العبد.
ثالثها: حق مشترك بين حق الله الخالص، وحق العبد..
هناك فرق بين محل دعوى الحسبة والدعوى الشخصية. من حيث:
أولًا: الفرق بينهما من جهة الأطراف.
ثانيًا: والفرق بينهما من حيث الحاجة إلى الخصومة في إثبات الجريمة.
ثالثًا: الفرق بينهما من حيث طرق الإثبات.
رابعا: الفرق بينهما من حيث التقادم وأثره في سقوط الدعوى.
وأخيرًا الفرق بينهما من حيث العفو، وأثره على سقوط الدعوى والعقوبة.
وسائل الإعلام وإن كان يغلب على بعضها الاستخدام في الشر، فإنها من أجل ذلك تحتاج إلى الاحتساب عليها أولًا قبل أن تسخر؛ لتكون وسيلة تدعم عمل المحتسب.
والاحتساب ليس على الأجهزة والآلات وسائر الوسائل، ولكن الاحتساب على من يشغل.
إن من أهم وأولى طرق الاحتساب على الإعلام، هو محاولة وضع موطئ قدم فيه لأهل الاحتساب، فإن وجود أهل الخير في الإعلام بداية للتصحيح والصيانة؛ لاستغلال هذه الوسيلة لبث الخير، بدعوة الناس إلى دين الله، وتعليمهم.
أهم الوسائل الإعلامية في الماضي الشعر، ثم تأتي بعده خطابه، فالشاعر في الماضي كان يعتبر لسان القبيلة.
وقد استغل الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الوسيلة أحسن استغلال، بل لقد كان له -عليه الصلاة والسلام- شعراء سخروا شعرهم لنشر الدعوة، ومدافعة أعدائها، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
يمكن أن تستغل وسائل الإعلام المعاصرة بكل ذكاء وفطنة وتعقل، أن نصل من خلالها إلى تحقيق هدفين رئيسيين:
الهدف الأول: هو محاولة الذب عن الإسلام ضد التيارات والأباطيل التي تحاك ضده.
الهدف الثاني: هو مساندة عمل المحتسب بتربية الناس على الفضيلة، وتشويقها لهم، وإبعادهم عن الرذيلة.
إذا تم استغلالنا لهذه الأجهزة والوسائل فيما يخدم رسالة المحتسب في المجتمع، فإننا سنصل إلى تحقيق أهداف وغايات ولعل من أظهرها:
أولًا: بذل الجهد في الحفاظ على جوهر العقيدة الإسلامية بدفع كل شوائب الشرك.
ثانيًا: الحفاظ على الشريعة الإسلامية، تطبيقا، وسلوكا، اتباعًا للأوامر، واجتنابًا للنواهي.
ثالثًا: إشاعة الحلال، وتحبيب الناس فيه، وإظهار بشاعة الحرام.
رابعًا: الحث على الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام.
خامسا: تنمية روح الاحتساب لدى عامة المسلمين فقهًا وتطبيقًا.
سادسا: إحياء التراث الإسلامي، وبث البرامج العملية التي تستعيد نبوع المسلمين في العلوم التجريبية دور المؤسسات التعليمية في الاحتساب:
أول أهداف العلم في الإسلام: أن يعرف المسلم ربه وخالقه، وثاني الأهداف للعلم في الإسلام: هو الإلمام بمقاصد الشريعة الإسلامية التي بنيت على مصالح العباد الضروري منها.
ويمكن للمؤسسات التعليمية مساعدة عمل المحتسب في غرس فقه الاحتساب في أذهان المتعلمين من أبناء الإسلام من خلال التطبيق الكامل للأفكار التالية:
أولا: إعادة النظر في المناهج الموجودة اليوم، وهل هي مؤصلة ومؤسسة على أساس أهداف الإسلام، ومبادئه.
ثانيا: التوسع فيما يتعلق بمنهج المواد الدينية بحيث تعطى للطلاب جرعات أكبر من فقه دينهم
ثالثًا: جعل مواد الدين موادًا أساسية لا اختيارية، والتركيز عليها، والمبالغة في غرس أهميتها في نفوس النشء المسلم.
رابعًا: ربط المواد الأخرى غير الدينية، كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وغيرها بتعاليم الإسلام ومبادئه.
خامسًا: اختيار المدرس على أساس تأهيله من حيث التقوى، وثقافته وغيرته على مصلحة أمته، وتقييمه فيما بعد.
سادسًا: الاستمرار والتوسع في تعليم الطلاب الحلال، وتحبيبه إلى نفوسهم، وبيان محاسن الأخذ به في الدنيا.
للمسجد دور هام في عملية الاحتساب وفي مساندة عمل المحتسب في النقاط التالية:
أولا: قيام المحتسب بنفسه، أو بالتعاون مع العلماء والمشايخ بإلقاء دروس ومواعظ.
ثانيا: استغلال خطبة الجمعة في طرح القضايا التي يرى المحتسب ضرورة الاحتساب على الناس فيها.
ثالثًا: إضافة إلى ما تقدم، يتحين المحتسب الفرص لعقد ندوات بين كل فترة وأخرى
رابعًا: استغلال تواجد المسلمين في المساجد، وتزويدهم ببعض النشرات، والرسائل العلمية القصيرة والمفيدة.
خامسًا: الاستعانة بالطيبين من جامعة المسجد في بذل النصح للمقصرين، والمتهاونين في واجباتهم الدينية.
سادسًا: الاستفادة من تواجد الناس في المساجد، وتزويدهم ببعض النشرات، والرسائل العلمية القصيرة والمفيدة.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الرابع، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الخامس، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (المحتسب فيه).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق. وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الرابع من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة Hisbah الحسبة لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: المحتسب (2).
فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
- تتعرف على أعوان المحتسب وصلاحياته, وأنواع التعزير, ووسائله في تغيير المنكر..
- تتبين الوسائل المعاصرة, التي يمكن أن تعين المحتسب في تأدية عمله.
عناصر الدرس
- أعوان المحتسب وصلاحياته, وأنواع التعزير, ووسائله في تغيير المنكر.
- الوسائل المعاصرة, التي يمكن أن تعين المحتسب في تأدية عمله.
ملخص الدرس
أن المحتسبين مهما كثر عددهم، فإنهم لا يغطون تلك الاختصاصات والمسئوليات الواسعة التي ينبغي، بل يجب أن يغطيها عمل المحتسب.
أن الاحتساب شامل لوظائف الدين والحياة كلها. وقد كان اتخاذ الأعوان والمساعدين في السابق أكثر منه في الحاضر، وإن كان لا زال المحتسب يستفيد من تعاون وخدمات أولئك الأعوان.
كان جهاز الحسبة في الماضي يتكون من شخصية المحتسب، ومن يتخذه لمساعدته من الأعوان والعيون، وأمناء الحرف، وعرفاء في شئون المهن والصناعات، وقد استدعت الشمولية في عمل المحتسب أن يعزز إدارته بالنواب.
جاز للمحتسب أن يجعل لأهل كل صنعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم وتدليساتهم، مشهورًا بالثقة والأمانة.
من مسئوليات العريف تنبيه أهل حرفته إلى الأخطاء، وتحذيرهم من الوقوع فيها في السر والعلن، وإذا اتضح للعريف أن هناك من يغش في صناعته رفعه إلى المحتسب.
وقد كان العريف في الغالب وخصوصًا في الماضي يأخذ أجره من أهل الأصناف؛ باعتبار ما يقوم به من واجب رعايتهم.
ومن الأعوان الذين كانوا يتخذهم المحتسب في الماضي الغلمان، وهم بمثابة العيون، يلاحقون المخالفين مما يجعل أهل السوق أكثر خوفًا ورهبة منه، فلا يغشون.
ومن الصفات التي يجب توفرها في أولئك الأعوان من الغلمان: العفة، والشهامة، وبعد الهمة
وكان من أعوان المحتسب ونوابه على الحدود والموانئ وسواحل البحر، وفي الأماكن التي ترد إليها الغلة؛ ليعلموه بما يرد من الغلال والبضائع.
وتعتبر الشرطة أقوى وأظهر معينا للمحتسب خاصة هذه الأيام بعد الله عز وجل.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو في أساسه دعوة إلى الإصلاح والتقويم، وإلزام الناس ذلك بالتي هي أحسن، وليس دعوة إلى العنف، وتعسف الناس، وظلمهم.
فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو يقوم بهذا الإصلاح يعتبر مربيًا، ومن مستلزمات التربية: التأديب في مواقف محددة يحتاج إلى بعض الوازع السلطاني؛ ليكون رادعًا في قضايا يأبى فيها صنف ممن اجتالتهم الشياطين، والمعاملة الحسنة. فهؤلاء لا بد من أطرهم على الحق أطرًا.
ومن صلاحيات الحسبة ما يعرف في الفقه الإسلامي بحق التعزير، وهذه السلطة أو الصلاحية ليست إلا لوالي الحسبة ومساعديه.
من أنواع التعزير التي يستخدمها المحتسب:
أولًا: الاستدعاء والتهديد
ثانيًا: التوبيخ والتبكيت
ثالثًا: الهجر
رابعًا: التشهير
خامسًا: الغرامة المالية
سادسًا: الصلب بشرط: ألا تزيد عن ثلاثة أيام، ولا يمنع فيها عن الطعام ولا الشراب، ولا يمنع من وضوء الصلاة.
سابعا: التعزير بالحبس والنفي.
ثامنا: النفي.
تاسعا: الضرب.
أما الصلاحيات التعزيرية التي يمارسها المحتسب في الحاضر: فإن ما يمارسه المحتسب اليوم من الصلاحيات التعزيرية لا يخرج في مجمله عما كان يمارسه المحتسب في الماضي مع بعض التحديد والتنظيم، فقد صدرت أنظمة تحدد الأطر العامة لعمل المحتسب، ومن ذلك صلاحيات ممنوحة له فيما يتعلق بالتعزير.
عدد المحتسب ووسائله في تغيير المنكر:
كان المحتسب في الماضي يستعمل السوط والدرة في إيقاع العقوبات على المخالفين، وكانت هذه العدد رادعة لمن تسول له نفسه الأمارة بالسوء في أن يغش، أو يدلس، أو يقوم بالإَضرار بالصالح العام.
وكان المحتسب يستخدم الطرطور بوضعه على رأس المخالف؛ للتشهير، فيكون رادعًا له عن العودة إلى نفس المخالفة مرة أخرى.
سجل خاص يدون فيه قوائم بأسماء الصناع والتجار، وكان يضع علامة إزاء اسم كل منهم، وموقع محله؛ ليتمكن من الوصول إليه بسرعة عند الحاجة إلى ذلك.
كما أنه كان للمحتسب دواب من الخيل، والبغال يتنقل عليها من مقره إلى مواقع الذين يريد أن يحتسب عليهم عندما يبلغه ما يوجب ذلك، وكان له خاتم يختم به، وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يتذكر به الشيء.
ومن أدوات المحتسب كذلك: دار العيار، يوجد بها موازين وأثقال ومكاييل يعين على أساسها ما عند التجار في السوق.
وأما محتسب في عصرنا هذا فكثيرة من وسائل مواصلات، واتصالات، وآلات مكتبية، وغير مكتبية، فهو يستطيع أن يسخر لعمله كثيرًا من التقنيات الصناعية المعاصرة، ولا زال يوجد لديه من عدد الماضي السوط.
المحتسب قد يقوم بنفسه، أو بواسطة أعوانه بتغيير المنكر، أو إقامة المعروف بالقوة، وهذا ما يمكن أن نسميه: مرحلة التغيير باليد، حسب درجات تغيير المنكر الواردة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه».
وهناك عدة وسائل لإبلاغه إلى أكبر عدد ممكن من الناس منها: المحاضرات، والخطب، والندوات، وإصدار الكتيبات والنشرات.
يواصل المحتسب إنجاز مهمته بشأن تغيير المنكر الذي عجز عنه، وذلك بإحالة الأمر إلى جهات قضائية أخرى، فيقيم المحتسب دعوى تسمى في لغة الفقهاء والأصوليين: دعوى الحسبة، وهذا لا يعني إلغاء دور المحتسب القضائي، ولكنه دور مقصور على ما ليس من اختصاص ولاية القضاء.
أن الحقوق في الإسلام التي ترفع الدعوى من أجلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولها: حق الله الخالص.
ثانيها: حق العبد.
ثالثها: حق مشترك بين حق الله الخالص، وحق العبد..
هناك فرق بين محل دعوى الحسبة والدعوى الشخصية. من حيث:
أولًا: الفرق بينهما من جهة الأطراف.
ثانيًا: والفرق بينهما من حيث الحاجة إلى الخصومة في إثبات الجريمة.
ثالثًا: الفرق بينهما من حيث طرق الإثبات.
رابعا: الفرق بينهما من حيث التقادم وأثره في سقوط الدعوى.
وأخيرًا الفرق بينهما من حيث العفو، وأثره على سقوط الدعوى والعقوبة.
وسائل الإعلام وإن كان يغلب على بعضها الاستخدام في الشر، فإنها من أجل ذلك تحتاج إلى الاحتساب عليها أولًا قبل أن تسخر؛ لتكون وسيلة تدعم عمل المحتسب.
والاحتساب ليس على الأجهزة والآلات وسائر الوسائل، ولكن الاحتساب على من يشغل.
إن من أهم وأولى طرق الاحتساب على الإعلام، هو محاولة وضع موطئ قدم فيه لأهل الاحتساب، فإن وجود أهل الخير في الإعلام بداية للتصحيح والصيانة؛ لاستغلال هذه الوسيلة لبث الخير، بدعوة الناس إلى دين الله، وتعليمهم.
أهم الوسائل الإعلامية في الماضي الشعر، ثم تأتي بعده خطابه، فالشاعر في الماضي كان يعتبر لسان القبيلة.
وقد استغل الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الوسيلة أحسن استغلال، بل لقد كان له -عليه الصلاة والسلام- شعراء سخروا شعرهم لنشر الدعوة، ومدافعة أعدائها، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
يمكن أن تستغل وسائل الإعلام المعاصرة بكل ذكاء وفطنة وتعقل، أن نصل من خلالها إلى تحقيق هدفين رئيسيين:
الهدف الأول: هو محاولة الذب عن الإسلام ضد التيارات والأباطيل التي تحاك ضده.
الهدف الثاني: هو مساندة عمل المحتسب بتربية الناس على الفضيلة، وتشويقها لهم، وإبعادهم عن الرذيلة.
إذا تم استغلالنا لهذه الأجهزة والوسائل فيما يخدم رسالة المحتسب في المجتمع، فإننا سنصل إلى تحقيق أهداف وغايات ولعل من أظهرها:
أولًا: بذل الجهد في الحفاظ على جوهر العقيدة الإسلامية بدفع كل شوائب الشرك.
ثانيًا: الحفاظ على الشريعة الإسلامية، تطبيقا، وسلوكا، اتباعًا للأوامر، واجتنابًا للنواهي.
ثالثًا: إشاعة الحلال، وتحبيب الناس فيه، وإظهار بشاعة الحرام.
رابعًا: الحث على الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام.
خامسا: تنمية روح الاحتساب لدى عامة المسلمين فقهًا وتطبيقًا.
سادسا: إحياء التراث الإسلامي، وبث البرامج العملية التي تستعيد نبوع المسلمين في العلوم التجريبية دور المؤسسات التعليمية في الاحتساب:
أول أهداف العلم في الإسلام: أن يعرف المسلم ربه وخالقه، وثاني الأهداف للعلم في الإسلام: هو الإلمام بمقاصد الشريعة الإسلامية التي بنيت على مصالح العباد الضروري منها.
ويمكن للمؤسسات التعليمية مساعدة عمل المحتسب في غرس فقه الاحتساب في أذهان المتعلمين من أبناء الإسلام من خلال التطبيق الكامل للأفكار التالية:
أولا: إعادة النظر في المناهج الموجودة اليوم، وهل هي مؤصلة ومؤسسة على أساس أهداف الإسلام، ومبادئه.
ثانيا: التوسع فيما يتعلق بمنهج المواد الدينية بحيث تعطى للطلاب جرعات أكبر من فقه دينهم
ثالثًا: جعل مواد الدين موادًا أساسية لا اختيارية، والتركيز عليها، والمبالغة في غرس أهميتها في نفوس النشء المسلم.
رابعًا: ربط المواد الأخرى غير الدينية، كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وغيرها بتعاليم الإسلام ومبادئه.
خامسًا: اختيار المدرس على أساس تأهيله من حيث التقوى، وثقافته وغيرته على مصلحة أمته، وتقييمه فيما بعد.
سادسًا: الاستمرار والتوسع في تعليم الطلاب الحلال، وتحبيبه إلى نفوسهم، وبيان محاسن الأخذ به في الدنيا.
للمسجد دور هام في عملية الاحتساب وفي مساندة عمل المحتسب في النقاط التالية:
أولا: قيام المحتسب بنفسه، أو بالتعاون مع العلماء والمشايخ بإلقاء دروس ومواعظ.
ثانيا: استغلال خطبة الجمعة في طرح القضايا التي يرى المحتسب ضرورة الاحتساب على الناس فيها.
ثالثًا: إضافة إلى ما تقدم، يتحين المحتسب الفرص لعقد ندوات بين كل فترة وأخرى
رابعًا: استغلال تواجد المسلمين في المساجد، وتزويدهم ببعض النشرات، والرسائل العلمية القصيرة والمفيدة.
خامسًا: الاستعانة بالطيبين من جامعة المسجد في بذل النصح للمقصرين، والمتهاونين في واجباتهم الدينية.
سادسًا: الاستفادة من تواجد الناس في المساجد، وتزويدهم ببعض النشرات، والرسائل العلمية القصيرة والمفيدة.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الرابع، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الخامس، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (المحتسب فيه).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق. وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق