الأحد، 23 يونيو 2013

شبهات حول الحسبة

الدرس14 :

المدخلالحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الرابع عشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة Hisbah الحسبة لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: شبهات حول الحسبة.
فأهلاً وسهلاً بك.

الثمرات التعليمية 
عند نهاية هذا الدَّرس يتاح لك بإذن الله أن:

  • تتعرف على الرد على من قال: إن واجب الحسبة لا يلزمه؛ لأنه ليس من رجال الدين..
  • تتبين الرد على من قال: إن الدعوة إلى الله تسبب تعبًا ونصبًا, لا يستطيع تحمله



عناصر الدرس

  • الرد على من قال: إن واجب الحسبة لا يلزمه؛ لأنه ليس من رجال الدين.
  • الرد على من قال: إن الدعوة إلى الله تسبب تعبًا ونصبًا, لا يستطيع تحمله.



ملخص الدرس
يتوهم البعض أن واجب الحسبة لا يلزمه؛ لأنه ليس من رجال الدين، وإن هذا الواجب واجب كفائي يجب على العلماء فقط.
الراجح من أقوال العلماء أن الدعوة إلى الله -عز وجل- والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجب على كل من يستطيعه، ولكن الحسبة يشترط لها العلم.
فالدعوة إلى الله -عز وجل- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين وفرض كفاية فرض عين على كل مسلم فيما يعرف من الدين وحسب استطاعته، وفرض كفاية في الأمور التي يعجز عنها العامة.
يجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إصلاحا لغيره بعد أن صلح هو في نفسه فإن النجاة لا تتم إلا بهذا، فلا يكفي الإنسان أن يكون صالحا في نفسه حتى يكون مصلحا لغيره، ولا يكفي أن يكون مهتديا في نفسه حتى يكون هاديا لغيره.
وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى، وهي أن الباطل انتشر في الأرض ولم تعد الدعوة إلى الله تنفع شيئًا، وعلى المسلم أن يهتم بنفسه ويدع أمر الخلق.
فالواجب على المسلم هو القيام بواجب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء حصل المقصود واستجاب الناس أو لم يستجيبوا.
وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى تقوم على فهم سقيم لقول رب العالمين: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فيتعلل بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعبًا ونصبًا لا يستطيع تحمله.
إن المسلم أولى من غيره بأن يتعب في سبيل الله، وفي سبيل نشر دين الله -عز وجل- والله -سبحانه وتعالى- قد قال ردًّا على هؤلاء الذين يخوفهم الشيطان من التعب والنصب قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ}.
وعلى هذا الذي يخوفه الشيطان من التعب والنصب أن يتذكر أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحملوا كثيرًا في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله.
لقد قال الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَد} [البلد: 4] أي: في تعب ومشقة، فإما أن يكون تعبه في سبيل الله فيستريح بعد طول عناء في جنة عالية قطوفها دانية، وإما أن يكون التعب هو الشقاء من أجل الدنيا وحدها ليس للآخرة في هذا التعب نصيب، فينتقل من شقاء الدنيا إلى شقاء الآخرة.
فعلى المسلم أن يوطن نفسه على القيام بواجب الحسبة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وأن يحتسب ما يلقاه من النصب والتعب في سبيل الله.
وقد يتشبث البعض بعدم استجابة الناس وأنه يأمر ولا يطيعونه، وينهى ولا يطيعونه.
والجواب على هذه الشبهة: أن المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس فقد قال الله تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين}.
فإذا كان الرسول غير مكلف إلا بالتبليغ فغيره من آحاد الأمة أولى ألا يكلف بغير التبليغ، وتعليل ذلك من وجهين:
الأول: أن القاعدة الأصولية تقول: إن الإنسان لا يكلف بفعل غيره.
فالذي يملكه المسلم ويكلف به أن يأمر غيره بالمعروف ويدعوه إلى عبادة الله ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلًا معينًا، فإذا أمر المسلم بالمعروف فائتمر بأمره، ونهى عن المنكر فترك ذلك المنكر، فقد وقع أجره على الله.
علينا أن نستمر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا كلل ولا ملل ولا فتور؛ لأن واجبنا هو البلاغ والتبيين، وأما الهداية فإلى الله -عز وجل.
صرح أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين في أن المسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء استجاب الناس له أو لم يستجيبوا له، وأن هذا الواجب لا يسقط عن المكلف؛ لكونه لا يفيد في ظنه.
قال الحافظ ابن رجب: وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له كيف تقول في هذه الآية {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
قال: سألت عنها خبيرًا أما والله لقد سألت عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعيك بنفسك ودع عنك رأي العوام».
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية.
وقال جبير بن نفيل عن جماعة من الصحابة قالوا: إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
وذكر في كتاب (الأمر بالمعروف) هذه من شرط إنكار المنكر غلبة الظن في إزالة المنكر روايتين:
إحداهما: ليس من شرطه بظاهر الأدلة، والثانية من شرطه، وهي قول متكلمين؛ لبطلان الغرض.
وقال ابن عقيل: إذا غلب على ظنه أنه لا يزول فروايتان إحداهما يجب.
وقال في رواية أخرى: في الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه هل يسكت؟ قال: يغير ما أمكنه وظاهره أنه لم يسقط.
وفي (نهاية المبتدئين) يجوز الإنكار فيما لا يرجى زواله، والذي ذكره القاضي في المعتمد أنه لا يجب، ويخير في رفعه الإمام خلافًا لمن قال: يجب رفعه إلى الإمام، وإذا لم يجب الإنكار فهو أفضل من تركه جزم به ابن عقيل.
قال القاضي خلافًا لأكثرهم في قولهم ذلك: قبيح ومكروه إلا في موضعين:
أحدهما: كلمة حق عند سلطان جائر.
والثاني: إظهار الإيمان عند ظهور كلمة الكفر
أما قول الله تعالى:{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9]، فقد قال الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: {فَذَكِّرْ} أي: فعظ قومك يا نبينا بالقرآن {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} أي: الموعظة.
وروى يونس عن الحسن قال: تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر، وكان ابن عباس يقول: تنفع أولائي ولا تنفع أعدائي.
وقد يتشبث البعض بمخافة الفتنة، فيترك الدعوة، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة أن تحدث الفتنة إذا أمر وإذا نهى، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه: ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة سار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليهم من ذلك؛ لأنه يطلب السلامة من الفتنة.

خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الرابع عشر، وهو ختام هذه المادة.

هذا، والله وليُّ التَّوفيق. 

والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق