الدرس10 :
المدخلالحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس العاشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة Hisbah الحسبة لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: الفرق بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم.
فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
عناصر الدرس
ملخص الدرس
ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم، هذه الولايات الثلاث في أي حكومة إسلامية هي بالرغم مما قد يوجد بينها من اختلاف في الاختصاصات والسلطات مكملة لبعضها؛ لا سيما في الجانب القضائي.
فإنّ بَعضَ الكُتّاب والمؤلفين الذين كتبوا عن الحسبة لم يكن مفهوم الحسبة واضحًا في مفهومهم، فخلط بين اختصاصاتها واختصاصات كل من القضاء والمظالم.
وكَمِثَالٍ على هذا الفَهم نرى أنّ من هؤلاء الكُتّاب الذين لم يُنزلوا الحِسْبَة منزلتها، بل حصر معناها في جانب ضيق من مجالاتها الواسعة كالأستاذ/ صبحي الصالح، والأستاذ/ شاكر مصطفى.
والي الحِسْبة يُمارسُ بعضَ الوَاجِبَات القَضَائيّة لا سيما تلك التي يحتاج البت فيها إلى السرعة، والتي لا يدخلها الإنكار والتجَاحُد، ومع ذلك فهي ليست جزءًا من القضاء.
يقول الماوردي: إنّ الحِسْبَة واسِطَةٌ بين أحكام القضاء، وأحكام المَظَالِم".
نشأت الحسبة وبدأ العمل على تطبيقها مُنذ نُزول أوّل نَصٍّ شرعي، يدعو إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
أما القَضَاءُ؛ فالقَضَاءُ في سَائِر الأُمم قديم؛ قدم حضارة الإنسان، وإن لم يَكن بما أصبح عليه في العصور المُتأخرة كعلم وفن له أصوله وقواعده.
تَولّى الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- القضاءَ بنفسه منذ أن وصل إلى المدينة، وبدأ يؤسس لقيام دولة الإسلام
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قاضيًا، كما كان للشريعة مُبلغًا في بداية تكون دولة الإسلام في المدينة، ولم يكن للمسلمين في المدينة قاضٍ سواه.
ولم يؤثر عنه -صلى الله عليه وسلم- أنّه عيّن في بلد من البُلدان رجلًا اختص بالقضاء بين المسلمين، دُون الرُّجوع له -صلى الله عليه وسلم- بل كان يعهد بذلك إلى بعض الولاة ضمن أمور الولاية، وتارة يعهد إلى بعض أصحابه بالفصل في بعض الخصومات.
ومن أولئك الذين تُشير بعض المصادر إلى أنّ الرَّسُول -صلى الله عليه وسلم- أسْنَدَ إليهم القَضَاء ضِمْنَ التّولية لهم، عندما أرسلوا إلى بعض الأمصار لتعليم الناس علي بن أبي طالب، وكذلك مُعاذ بن جبل -رضي الله عنه- عندما أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن.
أما القضاءُ في عهد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم فقد أخذ نفس المسار الذي كان عليه في عهد النبوة، لاسيما في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وقيل: إنه -رضي الله عنه- أسند مهمة القضاء إلى عمر بن الخطاب.
أما في عهد عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد اتسعت الدولة الإسلامية، وازداد عددُ المسلمين فيها؛ الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُولي عِنَايَته بشئونِ القَضاء، ومن أهم ما قام به: تعيين قضاة يختصون بالقضاء وحده، ويَنُيبون عن الخليفة في الفصل بين الناس، وهو -رضي الله عنه- الذي سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الفاروق؛ لأنّ اللهَ فَرّق به بينَ الحَقّ والباطل.
ولم يكن يتولى القضاء في عهد الخلفاء الرّاشدين إلا من توفرت فيه شروط؛ منها: أن يكون ذكرًا، بالغًا، مكتمل القوى العقلية، حرًّا، مسلمًا، غير متهم في دينه أو مروءته، سليم الحواس، واسع الإلمام بالفقه والشريعة.
وكان القضاء في عهد الخلفاء الراشدين مستقلًّا، مُحترم الجانب، وقد عَمَد الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُون إلى الاستشارة فيما يعرض عليه من خصومات.
أما القضاء في العهد الأموي؛ فقد اتسم بصفتين رئيسيتين:
الأولى: أن القاضي كان يحكم بما يوحيه إليه اجتهاده.
الثانية: فهي أن القضاء لم يكن متأثرًا بالسياسة.
أما في العصر العباسي:
فقدِ كانَ للقَضَاءِ خَصَائِصُ كثيرة منْهَا تَعدد الآراء في المسألة، بحسب تعدد المذاهب الفقهية التي حدثت في ذلك العصر، وقد تأثر بالسياسة، ومما تميز به القضاء في هذا العصر استحداث وظيفة "قاضي القضاة" وأول من لُقِّبَ به القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة.
ولاية المظالم ولاية تحمل ملامح سياسية واضحة، تَمتزِجُ بها سَطوة السلطة بصفة القضاء، ولها من فضل الهَيْبَةِ وقُوّة اليَد ما ليس للقضاء في كف الخصوم عن التجاحد، وهي بوضعها الخاص ضمن النظم في الدولة الإسلامية مؤسسة دينية قضائية.
وفي الإسلام قامت ولاية المظالم لا بشكلها ونظامها الذي عرف فيما بعد، ولكن بما يُناسب الأحوال والظروف في عهده -صلى الله عليه وسلم- حيث لا ظُلم ولا تَظالم إلا في أندر الأحوال.
وعلى مِثْلِ ما كان عليه رَدُّ المَظَالِم في عهده -صلى الله عليه وسلم- كان في عهد الخُلَفاء الراشدين، وظلت تتطور في عهد الخلفاء الراشدين إلى عهد الأمويين، عندها انتشر الظلم من بعض الناس لبعضهم؛ عندها اقتضى الأمر قيام من يرد الحقوق.
ثم جلس لها خلفاء بني العباس؛ وكان أوّل من جلس منهم هو المهدي، ثم الهادي، ثم هارون الرشيد، ثم المأمون؛ إلى أن كان آخر من جلس منهم المهتدي.
وهذه الولاية تحمل اسمها ورسمها، في كثير من خصائصها في المملكة العربية السعودية، أما في بقية البلاد الإسلامية فتحمل أسماء أخرى من أظهرها "محكمة النقض".
فولاية القضاء، ليست لها صلاحيات ثابتة، فهي تختلفُ باختلاف رأي من يقوم بتولية القاضي.
نظام القضاء حديثًا؛ هو الذي يحدد تلك الصلاحيات والاختصاصات, فقد يكون القاضي عام النظر، خاص العمل، وقد يكون العكس خاص النظر عام العمل.
أما إذا كانت ولاية القاضي عامة مطلقة التصرف في كل أمر؛ فنظره مشتمل على عشرة أحكام، كما قرره الماوردي -رحمه الله:
أولًا: فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات.
ثانيًا: استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مُسْتَحِقّيها.
ثالثًا: إثبات الولاية لمن كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو تفليس.
رابعًا: النظر في الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وصرفها في سبيلها.
خامسًا: تَنْفِيذ الوصايا على شروط الموصي؛ فيما أباحه الشرع.
سادسًا: تزويج الأيامى بالأكفّاء إذا عدمن الأولياء، ودُعين إلى النكاح.
سابعًا: إقامة الحدود على مستحقيها.
ثامنًا: النظر في المصالح العامة.
تاسعًا: تَصَفُّح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه.
عاشرًا: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف.
حادي عشر: الفَصْلُ في الأحكام المُتعلقة بالزوجين.
أمّا وِلَايةُ القضاء في الحاضر؛ فَلَها كغَيْرِهَا من الولايات والمؤسسات الحكومية الأخرى أنظمة تحدد الصلاحيات لكل مسئول فيها بدقة؛ وهي تختلف باختلاف المصدر الذي يستمد منه القضاء بنوده ومواده.
فولايةُ المظالم ولاية تحمل المتخاصمين على التناصف بالرهبة، وتزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة؛ لذا لا يقومُ بها إلا من كان جليل القدر، عظيم الهيبة ظاهر الحكمة، عفيف النفس؛ بَيِّنَ التّقوى كثير الورع.
الصلاحيات والاختصاصات ولاية المظالم كما حددها الإمام الماوردي:
أولًا: النَّظَرُ في تَعَدِّي الولاة على الرعية.
ثانيًا: رَفْعُ أجور العمال فيما يجبونه من الأموال؛ فيرجع فيه القواعد والأصول الشرعية في داووين الأئمة.
ثالثًا: رَدُّ الغصوب وهي ضربان:
الأول: غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور.
الثاني: ما تغلب عليه ذوي الأيدي القوية، وتصرفوا فيه تصرف المالكين بالقهر والغلبة.
رابعًا: مُشارفة الوقوف: وهي ضربان عامة وخاصة.
خامسًا: تنفيذ ما وقف من أحكام القُضاة لضعفهم عن إنفاذه، وعجزهم عن المحكوم عليه.
سادسًا: النظر فيما عجز عنه الناظر في الحسبة من المصالح العامة.
الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم:
فأما ما بينها وبين القضاء، فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، وزائدة عليه من وجهين:
موافقة من للقضاء من وجهين:
الوجه الأول: جواز الاستعداء إليه، وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى؛ وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى:
أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن.
والثاني: ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن.
والثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق، مع القدرة على أدائه.
الوجه الثاني: أنّ له إلزام المُدّعى عليه للخروج من الحق الذي عليه.
وجهان الاختلاف عن أحكام القضاء:
الوجه الأول: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات.
الوجه الثاني: أنها مقصورة على الحقوق المُعْتَرف بها.
الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء:
الأول: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر.
الثاني: أن للنّاظر في الحِسبة من سلاطة السلطنة، واستطالة الحماة.
وأما ما بين الحِسْبة والمظالم فبينهما شبه مؤتلف، وفرق مختلف؛ فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين:
أحدهما: أنّ مَوضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة.
والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح.
الفَرْقُ بينهما فمن وجهين:
أحدهما: أنّ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه قضاء القضاة.
الفرق الثاني: أنه يجوز لولي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس العاشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الحادي عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (علاقة الحسبة بالنيابة العامة).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس العاشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة Hisbah الحسبة لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: الفرق بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم.
فأهلاً وسهلاً بك.
الثمرات التعليمية عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
- تتعرف على الفرق بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث النشأة..
- تدرك الفرق بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث الاختصاص, ووجه الشبه بينها.
عناصر الدرس
- الفرق بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث النشأة.
- الفرق بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث الاختصاص, ووجه الشبه بينها.
ملخص الدرس
ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم، هذه الولايات الثلاث في أي حكومة إسلامية هي بالرغم مما قد يوجد بينها من اختلاف في الاختصاصات والسلطات مكملة لبعضها؛ لا سيما في الجانب القضائي.
فإنّ بَعضَ الكُتّاب والمؤلفين الذين كتبوا عن الحسبة لم يكن مفهوم الحسبة واضحًا في مفهومهم، فخلط بين اختصاصاتها واختصاصات كل من القضاء والمظالم.
وكَمِثَالٍ على هذا الفَهم نرى أنّ من هؤلاء الكُتّاب الذين لم يُنزلوا الحِسْبَة منزلتها، بل حصر معناها في جانب ضيق من مجالاتها الواسعة كالأستاذ/ صبحي الصالح، والأستاذ/ شاكر مصطفى.
والي الحِسْبة يُمارسُ بعضَ الوَاجِبَات القَضَائيّة لا سيما تلك التي يحتاج البت فيها إلى السرعة، والتي لا يدخلها الإنكار والتجَاحُد، ومع ذلك فهي ليست جزءًا من القضاء.
يقول الماوردي: إنّ الحِسْبَة واسِطَةٌ بين أحكام القضاء، وأحكام المَظَالِم".
نشأت الحسبة وبدأ العمل على تطبيقها مُنذ نُزول أوّل نَصٍّ شرعي، يدعو إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
أما القَضَاءُ؛ فالقَضَاءُ في سَائِر الأُمم قديم؛ قدم حضارة الإنسان، وإن لم يَكن بما أصبح عليه في العصور المُتأخرة كعلم وفن له أصوله وقواعده.
تَولّى الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- القضاءَ بنفسه منذ أن وصل إلى المدينة، وبدأ يؤسس لقيام دولة الإسلام
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قاضيًا، كما كان للشريعة مُبلغًا في بداية تكون دولة الإسلام في المدينة، ولم يكن للمسلمين في المدينة قاضٍ سواه.
ولم يؤثر عنه -صلى الله عليه وسلم- أنّه عيّن في بلد من البُلدان رجلًا اختص بالقضاء بين المسلمين، دُون الرُّجوع له -صلى الله عليه وسلم- بل كان يعهد بذلك إلى بعض الولاة ضمن أمور الولاية، وتارة يعهد إلى بعض أصحابه بالفصل في بعض الخصومات.
ومن أولئك الذين تُشير بعض المصادر إلى أنّ الرَّسُول -صلى الله عليه وسلم- أسْنَدَ إليهم القَضَاء ضِمْنَ التّولية لهم، عندما أرسلوا إلى بعض الأمصار لتعليم الناس علي بن أبي طالب، وكذلك مُعاذ بن جبل -رضي الله عنه- عندما أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن.
أما القضاءُ في عهد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم فقد أخذ نفس المسار الذي كان عليه في عهد النبوة، لاسيما في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وقيل: إنه -رضي الله عنه- أسند مهمة القضاء إلى عمر بن الخطاب.
أما في عهد عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد اتسعت الدولة الإسلامية، وازداد عددُ المسلمين فيها؛ الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُولي عِنَايَته بشئونِ القَضاء، ومن أهم ما قام به: تعيين قضاة يختصون بالقضاء وحده، ويَنُيبون عن الخليفة في الفصل بين الناس، وهو -رضي الله عنه- الذي سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الفاروق؛ لأنّ اللهَ فَرّق به بينَ الحَقّ والباطل.
ولم يكن يتولى القضاء في عهد الخلفاء الرّاشدين إلا من توفرت فيه شروط؛ منها: أن يكون ذكرًا، بالغًا، مكتمل القوى العقلية، حرًّا، مسلمًا، غير متهم في دينه أو مروءته، سليم الحواس، واسع الإلمام بالفقه والشريعة.
وكان القضاء في عهد الخلفاء الراشدين مستقلًّا، مُحترم الجانب، وقد عَمَد الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُون إلى الاستشارة فيما يعرض عليه من خصومات.
أما القضاء في العهد الأموي؛ فقد اتسم بصفتين رئيسيتين:
الأولى: أن القاضي كان يحكم بما يوحيه إليه اجتهاده.
الثانية: فهي أن القضاء لم يكن متأثرًا بالسياسة.
أما في العصر العباسي:
فقدِ كانَ للقَضَاءِ خَصَائِصُ كثيرة منْهَا تَعدد الآراء في المسألة، بحسب تعدد المذاهب الفقهية التي حدثت في ذلك العصر، وقد تأثر بالسياسة، ومما تميز به القضاء في هذا العصر استحداث وظيفة "قاضي القضاة" وأول من لُقِّبَ به القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة.
ولاية المظالم ولاية تحمل ملامح سياسية واضحة، تَمتزِجُ بها سَطوة السلطة بصفة القضاء، ولها من فضل الهَيْبَةِ وقُوّة اليَد ما ليس للقضاء في كف الخصوم عن التجاحد، وهي بوضعها الخاص ضمن النظم في الدولة الإسلامية مؤسسة دينية قضائية.
وفي الإسلام قامت ولاية المظالم لا بشكلها ونظامها الذي عرف فيما بعد، ولكن بما يُناسب الأحوال والظروف في عهده -صلى الله عليه وسلم- حيث لا ظُلم ولا تَظالم إلا في أندر الأحوال.
وعلى مِثْلِ ما كان عليه رَدُّ المَظَالِم في عهده -صلى الله عليه وسلم- كان في عهد الخُلَفاء الراشدين، وظلت تتطور في عهد الخلفاء الراشدين إلى عهد الأمويين، عندها انتشر الظلم من بعض الناس لبعضهم؛ عندها اقتضى الأمر قيام من يرد الحقوق.
ثم جلس لها خلفاء بني العباس؛ وكان أوّل من جلس منهم هو المهدي، ثم الهادي، ثم هارون الرشيد، ثم المأمون؛ إلى أن كان آخر من جلس منهم المهتدي.
وهذه الولاية تحمل اسمها ورسمها، في كثير من خصائصها في المملكة العربية السعودية، أما في بقية البلاد الإسلامية فتحمل أسماء أخرى من أظهرها "محكمة النقض".
فولاية القضاء، ليست لها صلاحيات ثابتة، فهي تختلفُ باختلاف رأي من يقوم بتولية القاضي.
نظام القضاء حديثًا؛ هو الذي يحدد تلك الصلاحيات والاختصاصات, فقد يكون القاضي عام النظر، خاص العمل، وقد يكون العكس خاص النظر عام العمل.
أما إذا كانت ولاية القاضي عامة مطلقة التصرف في كل أمر؛ فنظره مشتمل على عشرة أحكام، كما قرره الماوردي -رحمه الله:
أولًا: فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات.
ثانيًا: استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مُسْتَحِقّيها.
ثالثًا: إثبات الولاية لمن كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو تفليس.
رابعًا: النظر في الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وصرفها في سبيلها.
خامسًا: تَنْفِيذ الوصايا على شروط الموصي؛ فيما أباحه الشرع.
سادسًا: تزويج الأيامى بالأكفّاء إذا عدمن الأولياء، ودُعين إلى النكاح.
سابعًا: إقامة الحدود على مستحقيها.
ثامنًا: النظر في المصالح العامة.
تاسعًا: تَصَفُّح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه.
عاشرًا: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف.
حادي عشر: الفَصْلُ في الأحكام المُتعلقة بالزوجين.
أمّا وِلَايةُ القضاء في الحاضر؛ فَلَها كغَيْرِهَا من الولايات والمؤسسات الحكومية الأخرى أنظمة تحدد الصلاحيات لكل مسئول فيها بدقة؛ وهي تختلف باختلاف المصدر الذي يستمد منه القضاء بنوده ومواده.
فولايةُ المظالم ولاية تحمل المتخاصمين على التناصف بالرهبة، وتزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة؛ لذا لا يقومُ بها إلا من كان جليل القدر، عظيم الهيبة ظاهر الحكمة، عفيف النفس؛ بَيِّنَ التّقوى كثير الورع.
الصلاحيات والاختصاصات ولاية المظالم كما حددها الإمام الماوردي:
أولًا: النَّظَرُ في تَعَدِّي الولاة على الرعية.
ثانيًا: رَفْعُ أجور العمال فيما يجبونه من الأموال؛ فيرجع فيه القواعد والأصول الشرعية في داووين الأئمة.
ثالثًا: رَدُّ الغصوب وهي ضربان:
الأول: غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور.
الثاني: ما تغلب عليه ذوي الأيدي القوية، وتصرفوا فيه تصرف المالكين بالقهر والغلبة.
رابعًا: مُشارفة الوقوف: وهي ضربان عامة وخاصة.
خامسًا: تنفيذ ما وقف من أحكام القُضاة لضعفهم عن إنفاذه، وعجزهم عن المحكوم عليه.
سادسًا: النظر فيما عجز عنه الناظر في الحسبة من المصالح العامة.
الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم:
فأما ما بينها وبين القضاء، فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، وزائدة عليه من وجهين:
موافقة من للقضاء من وجهين:
الوجه الأول: جواز الاستعداء إليه، وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى؛ وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى:
أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن.
والثاني: ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن.
والثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق، مع القدرة على أدائه.
الوجه الثاني: أنّ له إلزام المُدّعى عليه للخروج من الحق الذي عليه.
وجهان الاختلاف عن أحكام القضاء:
الوجه الأول: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات.
الوجه الثاني: أنها مقصورة على الحقوق المُعْتَرف بها.
الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء:
الأول: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر.
الثاني: أن للنّاظر في الحِسبة من سلاطة السلطنة، واستطالة الحماة.
وأما ما بين الحِسْبة والمظالم فبينهما شبه مؤتلف، وفرق مختلف؛ فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين:
أحدهما: أنّ مَوضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة.
والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح.
الفَرْقُ بينهما فمن وجهين:
أحدهما: أنّ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه قضاء القضاة.
الفرق الثاني: أنه يجوز لولي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس العاشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الحادي عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (علاقة الحسبة بالنيابة العامة).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق